الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
580 - رقم الاستشارة : 3862
18/01/2026
ما معني المطففين المذكور في الآيات ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ* وَإِذَا كَالُوَهُمْ أَو وَزَنُوَهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين:1- 3] وهل يقتصر على الوزن والكيل فقط؟
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فالظاهر من الآية أن المطففين في أصل اللغة والتفسير هم الذين ينقصون ويبخسون حقوق الناس في المكيال والميزان. فعلهم، الذي يُسمى التطفيف، مأخوذ من الشيء الطفيف أي القليل؛ لأن السارق في الميزان لا يسرق إلا شيئًا يسيرًا، لكنه عند الله عظيم، لكن الآية تتسع لكل نقص أو بخص في الحقوق أو الواجبات، سواء أكانت مالية أم غيرها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر التطفيف في العبادات: كمن يسرق من صلاته، فلا يتم ركوعها ولا سجودها ولا خشوعها، بينما يطلب من الله الأجر الكامل والثواب العظيم، والتطفيف في الوظيفة؛ الموظف الذي يتأخر عن عمله، أو يخرج مبكرًا، أو يقضي وقته في أمور شخصية، ثم في نهاية الشهر يطالب براتبه كاملاً غير منقوص، ومنها: التطفيف في العلاقات الأسرية: مثل الزوج أو الزوجة أو الابن مع أبيه والأب مع ابنه، ومنها التطفيف في واجب العامل أو رب العمل وغير ذلك من الحقوق والواجبات.
يقول الأستاذ سيد قطب – رحمه الله – في تفسير الظلال:
التصدي لشأن المطففين بهذا الأسلوب في سورة مكية أمر يلفت النظر؛ فالسورة المكية عادة توجه اهتمامها إلى أصول العقيدة الكلية: كتقرير وحدانية الله، وانطلاق مشيئته، وهيمنته على الكون والناس... وكحقيقة الوحي والنبوة.. وكحقيقة الآخرة والحساب والجزاء. مع العناية بتكوين الحاسة الأخلاقية في عمومها، وربطها بأصول العقيدة.
أما التصدي لمسألة بذاتها من مسائل الأخلاق -كمسألة التطفيف في الكيل والميزان- والمعاملات بصفة عامة، فأمر جاء متأخرًا في السورة المدنية عند التصدي لتنظيم حياة المجتمع في ظل الدولة الإسلامية، وفق المنهج الإسلامي، الشامل للحياة، ومن ثمَّ فإن التصدي لهذا الأمر بذاته في هذه السورة المكية أمر يستحق الانتباه. وهو يشي بعدة دلالات متنوعة، تكمن وراء هذه الآيات القصار.
دلالات متنوعة
إنه يدل أولاً على أن الإسلام كان يواجه في البيئة المكية حالة صارخة من هذا التطفيف يزاولها الكبراء، الذين كانوا في الوقت ذاته هم أصحاب التجارات الواسعة، التي تكاد تكون احتكارًا، فقد كانت هنالك أموال ضخمة في أيدي هؤلاء الكبراء يتجرون بها عن طريق القوافل في رحلتي الشتاء والصيف إلى اليمن وإلى الشام. كما افتتحوا أسواقًا موسمية كسوق عكاظ في موسم الحج، يقومون فيها بالصفقات ويتناشدون فيها الأشعار!
والنصوص القرآنية هنا تشي بأن المطففين الذين يتهددهم الله بالويل، ويعلن عليهم هذه الحرب، كانوا طبقة الكبراء ذوي النفوذ، الذين يملكون إكراه الناس على ما يريدون، فهم يكتالون (على الناس).. لا من الناس.. فكأن لهم سلطانًا على الناس بسبب من الأسباب، يجعلهم يستوفون المكيال والميزان منهم استيفاء وقسرا.
وليس المقصود هو أنهم يستوفون حقًّا. وإلا فليس في هذا ما يستحق إعلان الحرب عليهم. إنما المفهوم أنهم يحصلون بالقسر على أكثر من حقهم، ويستوفون ما يريدون إجبارًا.
فإذا كالوا للناس أو وزنوا كان لهم من السلطان ما يجعلهم ينقصون حق الناس، دون أن يستطيع هؤلاء منهم نصفة ولا استيفاء حق؛ ويستوي أن يكون هذا بسلطان الرياسة والجاه القبلي، أو بسلطان المال وحاجة الناس لما في أيديهم منه، واحتكارهم للتجارة حتى يضطر الناس إلى قبول هذا الجور منهم؛ كما يقع حتى الآن في الأسواق.
شمولية منهج الإسلام للحياة الواقعية
فقد كانت هناك حالة من التطفيف صارخة استحقت هذه اللفتة المبكرة، كما أن هذه اللفتة المبكرة في البيئة المكية تشي بطبيعة هذا الدين، وشمول منهجه للحياة الواقعية وشؤونها العملية، وإقامتها على الأساس الأخلاقي العميق الأصيل في طبيعة هذا المنهج الإلهي القويم.
فقد كره هذه الحالة الصارخة من الظلم والانحراف الأخلاقي في التعامل وهو لم يتسلم بعد زمام الحياة الاجتماعية، لينظمها وفق شريعته بقوة القانون وسلطان الدولة. وأرسل هذه الصيحة المدوية بالحرب والويل على المطففين وهم يومئذ سادة مكة؛ أصحاب السلطان المهيمن - لا على أرواح الناس ومشاعرهم عن طريق العقيدة الوثنية فحسب، بل كذلك على اقتصادياتهم وشؤون معاشهم. ورفع صوته عاليًا في وجه الغبن والبخس الواقع على الناس وهم جمهرة الشعب المستغلين لكبرائه المتجرين بأرزاقه، المرابين المحتكرين، المسيطرين في الوقت ذاته على الجماهير بأوهام الدين!
فكان الإسلام بهذه الصيحة المنبعثة من ذاته ومن منهجه السماوي موقظًا للجماهير المستغلة، ولم يكن قط مخدرًا لها حتى وهو محاصر في مكة، بسطوة المتجبرين، المسيطرين على المجتمع بالمال والجاه والدين! ومن ثم ندرك طرفًا من الأسباب الحقيقية التي جعلت كبراء قريش يقفون في وجه الدعوة الإسلامية هذه الوقفة العنيدة. فهم كانوا يدركون - ولا ريب - أن هذا الأمر الجديد الذي جاءهم به محمد ﷺ ليس مجرد عقيدة تكمن في الضمير، ولا تتطلب منهم إلا شهادة منطوقة، بأن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. وصلاة يقيمونها لله بلا أصنام ولا أوثان...
كلا. لقد كانوا يدركون أن هذه العقيدة تعني منهجًا يحطم كل أساس الجاهلية التي تقوم عليها أوضاعهم ومصالحهم ومراكزهم. وأن طبيعة هذا المنهج لا تقبل مثنوية ولا تلتئم مع عنصر أرضي غير منبثق من عنصرها السماوي؛ وأنها تهدد كل المقومات الأرضية الهابطة التي تقوم عليها الجاهلية، ومن ثم شنوا عليها تلك الحرب التي لم تضع أوزارها لا قبل الهجرة ولا بعدها. الحرب التي تمثل الدفاع عن أوضاعهم كلها في وجه الأوضاع الإسلامية لا عن مجرد الاعتقاد والتصور المجردين والذين يحاربون سيطرة المنهج الإسلامي على حياة البشر في كل جيل وفي كل أرض يدركون هذه الحقيقة. يدركونها جيدًا. ويعلمون أن أوضاعهم الباطلة، ومصالحهم المغتصبة، وكيانهم الزائف.. وسلوكهم المنحرف.. هذه كلها هي التي يهددها المنهج الإسلامي القويم الكريم!
والطغاة البغاة الظلمة المطففون -في أية صورة من صور التطفيف في المال أو في سائر الحقوق والواجبات- هم الذين يشفقون أكثر من غيرهم من سيطرة ذلك المنهج العادل النظيف! الذي لا يقبل المساومة، ولا المداهنة، ولا أنصاف الحلول. أ. هـ باختصار وتصرف.
والله تعالى أعلى وأعلم
روابط ذات صلة:
ضرورة العدل.. فريضة إنسانية وحق واجب