الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : الدعوة الإلكترونية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
19 - رقم الاستشارة : 5016
08/06/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا شاب أعمل في مجال صناعة المحتوى الدعوي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأحاول أن أقدّم رسائل نافعة للشباب بأسلوب خفيف يناسب طبيعة العصر، لكنني بدأت ألاحظ انتشار نوع من المحتوى الساخر الذي يتناول الملتزمين والدعاة والشعائر الدينية بطريقة تُضحك الناس وتُحقق انتشارًا واسعًا، حتى إن بعض الشباب صاروا يستثقلون الجدية في الدين، ويربطون الالتزام بالتشدّد أو الانغلاق، بينما يُقدَّم المستهتر أو المستهزئ بصورة الشخص اللطيف المتقبَّل اجتماعيًّا.
وقد وجدت نفسي في حيرة: هل أواجه هذا اللون من المحتوى بالرد المباشر؟ أم أتجاهله؟ أم أستخدم الأسلوب نفسه ولكن بصورة أخف؟ وكيف يمكن للداعية الإلكتروني أن يحافظ على هيبة الدين وفي الوقت نفسه يخاطب الناس بلغة يفهمونها دون تعقيد أو جفاء؟
وأحيانًا أشعر بالإحباط حين أرى المقاطع التافهة تحصد ملايين المشاهدات، بينما المواد العلمية الرصينة لا تحظى إلا بالقليل من التفاعل، فكيف نوازن بين التأثير الحقيقي ومتطلبات المنصات الحديثة؟
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله أيها الابن المبارك، وبارك الله في غيرتك
على الدين، وحرصك على أن يكون حضور الإسلام في الفضاء الرقمي حضورًا نافعًا راقيًا
مؤثرًا، فإن من أعظم ميادين الدعوة اليوم هذا العالم المفتوح الذي تدخل فيه
الأفكار إلى البيوت والقلوب بلا استئذان، وأصبح الهاتف الصغير يصنع القناعات
ويغيّر السلوكيات ويعيد تشكيل الذوق العام عند كثير من الناس، ولا سيما الشباب
والمراهقين.
وما
ذكرته من انتشار المحتوى الساخر المؤثر في صورة الالتزام ظاهرة حقيقية تحتاج إلى
وعي دعوي عميق؛ لأن الخطر لا يكمن فقط في الضحك العابر، بل في تحويل القيم إلى
مادة هزلية تفقد مع الزمن مكانتها في النفوس. فالإنسان إذا اعتاد السخرية من شيء
قلَّ تعظيمه له، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ
اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.
لكن
من المهم أن تدرك أن العلاج لا يكون دائمًا بالصدام والانفعال، ولا بتحويل المنصات
إلى ساحات خصومة وردود متتابعة؛ لأن كثيرًا من هذا المحتوى يعيش على الجدل
والاستفزاز وجذب الانتباه. ومن الحكمة أحيانًا أن يُواجَه الباطل ببناء البديل
الجاذب لا بمجرد مطاردته في كل زاوية.
والداعية
الناجح في البيئة الرقمية ليس بالضرورة أكثر الناس صخبًا، بل أكثرهم قدرة على
الجمع بين الصدق والإبداع. فالنبي ﷺ كان يخاطب الناس بما يناسب عقولهم وأحوالهم،
وكان يتلطف في العبارة، ويختصر حينًا، ويكرر حينًا، ويستخدم الموقف العملي حينًا
آخر، حتى يبلغ المعنى إلى القلوب بأيسر طريق. وقد قالت عائشة رضي الله عنها: «ما
خُيّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا».
ولذلك
فلا حرج أن تستخدم الأسلوب اللطيف أو الطرفة البريئة أو المشهد القريب من واقع
الشباب إذا كان ذلك وسيلة لإيصال الحق، بشرط ألا يتحول الدين نفسه إلى مادة
استهلاك ترفيهية، وألا يُبنى المحتوى على الاستخفاف بالشعائر أو السخرية من الناس
أو تتبع العيوب. وهناك فرق كبير بين "الأسلوب الجاذب" و"الاستخفاف
بالمقدسات".
ومن
الوسائل العملية المهمة في هذا الباب أن تنتقل من مجرد "الموعظة المباشرة"
إلى "المعالجة الواقعية"، فبدل أن تتحدث دائمًا عن فضل الصلاة بصورة
تقليدية، تحدث عن القلق النفسي الذي يعيشه الشباب، ثم اربط ذلك بالسكينة التي
يمنحها الاتصال بالله. وبدل أن تهاجم التفاهة فقط، قدّم نماذج شبابية ناجحة تجمع
بين الالتزام والإنجاز والابتسامة والوعي الاجتماعي. فالناس اليوم تتأثر بالصورة
العملية أكثر من الكلام المجرد.
ومن
الأخطاء التي يقع فيها بعض الدعاة الإلكترونيين أنهم يجعلون خطابهم كله قائمًا على
التحذير والتخويف، حتى يبدو الدين عند بعض المتابعين وكأنه سلسلة من المنع
والتقريع فقط، بينما القرآن نفسه جمع بين الترغيب والترهيب، والرحمة والإنذار، قال
تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ
الْحَسَنَةِ﴾. والحكمة هنا تشمل اختيار التوقيت، والأسلوب، والمنصة، وطريقة العرض،
وحتى نبرة الصوت والصورة المصاحبة.
كما
أن عليك ألا تربط قيمة العمل الدعوي بعدد المشاهدات وحدها، فبعض المقاطع العابرة
تنتشر سريعًا ثم تموت سريعًا، بينما كلمة صادقة قد تغيّر حياة إنسان كامل دون أن
يشعر بها الناس. وقد قال النبي ﷺ لعلي رضي الله عنه: «فوالله لأن يهدي الله بك
رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم». وهذا يزرع في نفس الداعية معنى الإخلاص
والثبات وعدم الارتهان لأرقام المنصات وتقلبات الخوارزميات.
ومن
الأمور المهمة أيضًا أن تُحسن فهم طبيعة الجيل الجديد؛ فالشباب اليوم يعيشون في
بيئة سريعة الإيقاع، مليئة بالمؤثرات البصرية والمعلومات المختصرة، ولذلك فإن
الخطاب الطويل المعقد قد لا يصل إليهم بسهولة، وليس معنى هذا أن نفرغ الدعوة من
العلم، وإنما أن نحسن تقديمه. فالاختصار المنظم، والتصميم الجيد، واللغة الواضحة،
وربط النصوص الشرعية بالواقع المعاصر؛ كلها من وسائل البلاغ المؤثر في هذا العصر.
وحاول
كذلك أن تبني مجتمعًا إيجابيًّا حول المحتوى الذي تقدمه، فلا يكن همّك مجرد نشر
المقاطع، بل اصنع مساحة يشعر فيها المتابع أنه مفهوم ومسموع ومحترم. فكثير من
الشباب لا يبحث فقط عن المعلومة، بل عن الاحتواء والتقدير والانتماء. وإذا شعر
الشاب أن الداعية قريب من همومه، واقعي في معالجته، رحيم في نصحه؛ فإنه سيفتح قلبه
لكلامه ولو كان طويلًا.
ولا
تنسَ أن بعض السخرية المنتشرة اليوم ليست ناتجة عن كراهية الدين بقدر ما هي رد فعل
على نماذج خاطئة في الخطاب أو السلوك، ولذلك ينبغي أن يكون الداعية قدوة في
التوازن والرحمة والوعي، حتى لا يُحمِّل الناس الدين أخطاء بعض المنتسبين إليه.
واجعل
لك وردًا ثابتًا من القرآن والدعاء، فإن العمل في الفضاء الرقمي مرهق للنفس، كثير
المقارنات، سريع التقلب، وقد يسرق الإخلاص من حيث لا يشعر الإنسان. وكان من دعاء
النبي ﷺ: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك».
فامضِ
في طريقك، واستعن بالله، واصبر على قلة التفاعل أحيانًا، فإن البناء الحقيقي للوعي
يحتاج إلى نفس طويل، والداعية الصادق لا يقيس أثره باللحظة العابرة فقط، بل بما
يتركه من هداية ونور وإصلاح في القلوب والعقول.
نسأل
الله أن يجعلك مفتاحًا للخير، مباركًا أينما كنت، وأن يرزقك الحكمة في القول،
والإخلاص في العمل، والتأثير النافع في الناس، وأن يحفظ شباب المسلمين من الفتن
الظاهرة والباطنة، وأن يجعل وسائل التقنية بابًا للهداية لا للغفلة والضياع.
روابط
ذات صلة:
استعمال مشاهد مضحكة للاستهزاء بالأحكام الشرعية