أشعر أني بديل لأخي المتوفى!!!

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. أميمة السيد
  • القسم : الشباب
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 8
  • رقم الاستشارة : 5265
06/07/2026

السلام عليكم دكتور أميمة..

أنا بنت عندي 19 سنة، وفي كلية التجارة.

أنا عندي مشكلة يمكن تكون غريبة، ويمكن الناس تضحك عليها، بس هي تعباني جدًا.

قبل ما أتولد، كان عندي أخ أكبر مني، لكنه توفاه الله وهو عنده أربع سنين.

أنا طبعًا ما شفتوش، لكن من وأنا صغيرة واسمه موجود في البيت.

كل شوية أسمع ماما تقول: "الله يرحمه ده لو كان عايش كان بقى شاب دلوقتي"

وأشوف بابا ساكت، وعينيه تدمع.

وفي كل مناسبة يطلعوا صوره، ويحكوا عنه.

أنا بحبه، وبترحم عليه، لكن بقيت أحس بإحساس غريب.

بحس إني أخدت مكانه.

وأوقات لما ماما تفرح بيا، يجي في بالي إنها أكيد كانت هتفرح بيه أكتر.

ولو نجحت، أو اتكرمت، أو حد مدحني، أحس إن في حد جوايا بيقول:

"النجاح ده كان المفروض يبقى لأخوكي"

يمكن الكلام ده يبان مش منطقي، بس والله هو اللي جوايا.

حتى بقيت أزعل لما حد يقول لي: "إنتِ كل أملنا"

وأقول في نفسي: "لا.. أنا مجرد البديل"

أنا تعبت من الإحساس ده.

هل ده طبيعي؟

الإجابة 06/07/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..

 

ابنتي العزيزة..

 

لقد تأثرت كثيرًا برسالتك، ليس لأن فيها ألمًا فقط، بل لأن فيها حسًّا إنسانيًّا رقيقًا جدًّا.

 

وأول ما أود أن أقوله لك هو: صدقيني أنتِ لستِ بديلًا عن أحد.

 

ولستِ امتدادًا لحياة توقفت، ولا نسخة من روح رحلت.

 

أنتِ إنسانة خلقها الله لرسالة مستقلة، وقيمة مستقلة، وحياة مستقلة.

 

أولًا: لماذا تشعرين بهذا الذنب؟

 

ما تعيشينه يُعرف في علم النفس باسم "ذنب الناجي".

 

ورغم أن هذا المصطلح يُستخدم غالبًا مع من ينجون من الحوادث أو الكوارث، فإن له صورة أخرى داخل بعض الأسر.

 

فقد يشعر أحد الأبناء، دون وعي، بأنه أخذ مكان أخ أو أخت رحلوا، أو أنه يعيش الحياة التي كان ينبغي أن يعيشها غيره.

 

وهذا ليس لأنه مذنب، بل لأن عقله ربط بين وجوده وبين فقْدٍ سابق لم يكن له أي علاقة به.

 

ثانيًا: كيف تكوَّن هذا الشعور؟

 

من رسالتك أستطيع أن أستشف أنك نشأت في بيت يحفظ ذكرى أخيك بمحبة، وهذا في حد ذاته ليس خطأ، بل إن أسرتكم جميلة ومترابطة.

 

لكن الطفل عندما يسمع الذكرى باستمرار، ولا يجد من يؤكد له أنه محبوب لذاته، قد يبني تفسيرًا داخليًّا غير صحيح.

 

فيقول لنفسه: "لو لم يمت أخي، ربما لم يكن لي مكان"، وهذا يسمى في العلاج الأسري: "الولاء الخفي للأسرة أو لشخص بعينه منها".

 

أي أن الابن يشعر بأنه مدين لشخص لم يعاصره، فيبدأ في التضحية بسعادته دون أن يطلب منه أحد ذلك.

 

ثالثًا: أنتِ لا تنافسين أخاك..

 

وهذه نقطة أريدك أن تتأمليها جيدًا.

 

أخوك - رحمه الله - ليس منافسك.

 

وليس في انتظار أن تثبتي أنك تستحقين الحياة أكثر منه.

 

لقد انتهت رحلته في الدنيا، وبدأت رحلتك أنت.

 

ولكل منكما كتابه، وأجله، ورزقه، واختباره.

 

قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. فلا تحمّلي نفسك مسؤولية قدرٍ ليس لك يد فيه.

 

رابعًا: لا تخلطي بين الوفاء والحزن..

 

هناك اعتقاد خفي يتسلل إلى بعض الأبناء، يقول: "إذا فرحت كثيرًا.. فكأنني نسيت أخي، أو بعض ممن رحلوا عنا"، وهذا غير صحيح.

 

فالوفاء للراحلين لا يكون بإطفاء أنوار حياتنا، بل بالدعاء لهم، وذكرهم بالخير، والعيش حياةً صالحةً تسرهم لو كانوا بيننا.

 

وقد قال رسول الله ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث...» ومنها الدعاء.

 

ولم يقل إن الحزن الدائم هو الذي ينفع الميت.

 

خامسًا: كيف تتحررين من هذا الشعور؟

 

ابدئي بكتابة رسالة إلى أخيك.

 

اكتبي فيها كل ما تشعرين به.

 

ثم اختميها بعبارة: "سأدعو لك دائمًا.. وسأعيش حياتي بما يرضي الله عز وجل"

 

هذه الطريقة تساعد على ما يسمى: التحرر الانفعالي (Emotional Processing).

 

كما أنصحك أن تتحدثي مع والدتك في وقت هادئ، وتسأليها: "هل شعرتِ يومًا أنني كنت بديلًا عن أخي؟"

 

ستتفاجئين غالبًا بأن قلب الأم يتسع لكليكما، وأن حبها له لم ينقص حبها لك.

 

* رسالة إلى الآباء والأمهات:

 

من الجميل أن نحفظ ذكرى أبنائنا الذين رحلوا.

 

لكن من المهم أيضًا ألا يشعر الأبناء الأحياء أنهم يعيشون في ظل ذكرى لا يستطيعون منافستها.

 

فالطفل يحتاج أن يسمع: "نحن نحبك لأنك أنت".. لا لأنك تذكرنا بأحد، ولا لأنك عوض عن أحد.

 

وهذا يعزز الهوية الذاتية (Self-Identity)، ويمنع تكون مشاعر الذنب غير المبررة.

 

* همسة أخيرة:

 

اعلمي يا ابنتي أن: الزهرة التي تتفتح اليوم لا تسرق مكان الزهرة التي ذبلت بالأمس، بل تضيف إلى الحديقة لونًا جديدًا.

 

وكذلك أنتِ.. فوجودك لم ينتقص من مكانة أخيك عند والديك، كما أن ذكراه لا تنتقص من قيمتك عند الله.. فكوني ابنةً بارة، وادعي لأخيك بالرحمة، ثم عيشي حياتك بقلب مطمئن.

 

فأجمل الوفاء للراحلين ألا نموت معهم نفسيًّا، بل أن نحمل ذكراهم في الدعاء، ونحمل رسالتنا في الحياة بالأمل والعمل الصالح.

 

روابط ذات صلة:

كرهت الدنيا بعد وفاة توأمي!!!

الرابط المختصر :