الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : فئات المدعوين
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
231 - رقم الاستشارة : 3116
01/11/2025
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أنا طالب جامعي، وعندي شلة طيبة جداً في الجامعة وفي الحي. نجتمع على حلقات قرآن وذكر، ودروس علمية نافعة، وهم بصراحة عون لي على الثبات في ذا الوقت.
المشكلة: أهلي وخاصة الوالدة ما يطيقونهم، ويشوفون إنهم متشددين ومبالغين، ويقولون لي بتنعزل عن الناس وتضيع مستقبلك.
ضغطهم زاد عليّ بشكل قوي، ويطلبون مني أقطع علاقتي فيهم نهائياً عشان يرضون.
فهل أطيعهم وأبعد عن الشلة عشان ما أعقهم؟
أو أتمسك بصحبتي الطيبة وأتحمل ضغطهم وعتابهم؟
وش الحل اللي يرضي ربي، ويرضي أهلي، ويثبتني على الخير؟
جزاكم الله خير.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك يا ولدي، وأسأل الله العظيم أن يشرح صدرك، وأن ييسر أمرك، وأن يهديك إلى الرشاد، ويثبتك على الخير، ويؤلف بين قلبك وقلب والديك، وأن يجعل عملك كله صالحًا ولوجهه خالصًا، وبعد...
فإن الأصل الشرعي أن طاعة الوالدين واجبة، وهي من آكد الفروض بعد حق الله تعالى وحق رسوله ﷺ. وقد قرن الله تعالى الإحسان إليهما بعبادته: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًا ۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا﴾ [الإسراء: 23].
ولكن، هل تشمل هذه الطاعة أمرهم لك بقطع صحبة الخير؟
هنا ميزان دقيق يجب الاحتكام إليه، وهو قاعدة «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق». فإذا أمر الوالدان بشيء فيه معصية لله (كترك واجب أو فعل محرم)، فلا طاعة لهما في ذلك.
أما في حالتك يا بني، فالأمر يختلف، فإن صحبة الأبرار المعينين على الطاعات وطلب العلم هي من أفضل القربات ومن عوامل الثبات. يقول الله عز وجل: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ولا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا واتَّبَعَ هَوَاهُ وكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].
وقال ﷺ: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَليلِه؛ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخالِلْ» [رواه أبو داود]. ولكن مع ذلك فإن تركها ليس معصية صريحة؛ لكن الإضرار بالنفس دينيًّا -بالانعزال عن الخير- قد يُقاربها.
إن أمر الوالدة لك بقطع علاقتك بهذه الصحبة ليس أمرًا بمعصية صريحة؛ لكنه قد يُعطلك عن الخير ويُعرضك للوحدة، وهذا لا يرضي الله. والقاعدة الشرعية في مثل هذا الأمر هي: تُطيعهما في كل ما لا معصية فيه، وتجتهد في إرضائهما دون التنازل عن ضرورات دينك.
والخلاصة: لا يجب عليك طاعة الوالدين في قطع صحبة الخير بصفة جذرية وكاملة تُعرضك للفتنة، ولكن الواجب عليك هو البحث عن صيغة تُرضيهما.
فهم دوافع الأهل:
يا ولدي، يجب أن تعلم أن ما تشعر به والدتك وأهلك، هو غالبًا نابع من قلق عميق عليك وخوف طبيعي على مستقبلك الديني والدنيوي. هذا الخوف يتخذ مسارين رئيسيين يجب عليك فهمهما جيدًا للتعامل معهما:
- الخوف من الانحراف الفكري والتطرف:
إنهم يخشون جدًّا من أن تكون هذه الصحبة التي يرونها متشددة، ذات أفكار منحرفة أو ضالة عن الوسطية والاعتدال، قد تدفعك إلى أفعال سيئة أو متطرفة أو تزرع فيك مفاهيم خاطئة تتعلق بالناس والمجتمع أو علاقتك بهم شخصيًّا. وقد تكون لديهم تجارب سابقة أو قصص سمعوها عن شباب انشغلوا بأفكار معينة وانعزلوا عن أسرهم وضيعوا مستقبلهم.
- الخوف على المستقبل الدراسي والاجتماعي:
هم يرون أن هذا الانشغال باللقاءات والدروس قد يأخذك من دراستك الجامعية وواجباتك الحياتية، ويؤثر سلبًا على مستقبلك الذي يتعبون لأجله. هذا قلق واقعي مشروع، فهم يريدونك ناجحًا ومستقرًا. وإن إدراكك لهذين الدافعين سيجعلك تتعامل مع اعتراضهم من باب الطمأنة لا التحدي.
كيفية تصحيح الصورة
يجب أن تتحلى بالحكمة والكياسة لتثبت لهم أن قلقهم هذا في غير محله. فلا تجعل علاقتك بأصحابك هؤلاء خارج البيت فقط، بل أدخلهم في حياة العائلة بذكاء: أحضِر بعضهم لزيارة المنزل (خاصة أحسنهم خلقًا وأليقهم اجتماعيًّا وأكثرهم تفوقًا) ليتناولوا طعامًا خفيفًا أو يشربوا شيئًا لترى والدتك بنفسها أنهم شباب مهذبون.
اجعل والدتك ترى أثر صحبتهم عليك عمليًّا، بزيادة في تفوقك الدراسي، وتحسن في أدائك الاجتماعي، وهدوئك، وقيامك بمسؤولياتك في البيت على أكمل وجه.
ربما يكون ضغط الأهل نابعًا من كثرة وقتك الذي تقضيه معهم، فاعمل على ضبط وقتك وإدارته وتقسيمه بحيث لا يطغى وقتك معهم على وقت دراستك وأهلك. وذلك بتقليل اللقاءات غير الضرورية.
اجعل لوالدتك نصيب الأسد من وقتك، اجلس معها تحادثها، وابذل الجهد في إرضائها وخدمتها. فبرُّك بها يكسر حاجز الخوف والشك. اعتذر لها عن أي تقصير، وقبِّل رأسها ويديها، وقل لها: «يا أمي الغالية، أنا أحبك وأطيعك في كل شيء إلا ما يُعطلني عن طاعة ربي. أقسم لك يا أمي إن هؤلاء الشباب هم عون لي على دراستي وعلى ديني، وإن وجودهم يمنعني من الوقوع في فتن هذا الزمن. وأعدك أن علاقتي بهم لن تكون على حساب واجباتي ومستقبلي».
وختامًا، أسأل الله العلي العظيم أن يُنير بصيرتك، وأن يجعل برَّك لوالديك سببًا لرضاهما عنك، وأن يجعل صحبتك الصالحة سببًا في رفع درجتك في الدنيا والآخرة. ودمت في حفظ الله ورعايته.
روابط ذات صلة:
ما الحد الفاصل بين بر الوالدين وتحكمهما في خياراتي الحياتية؟