حيرة على عتبات الهداية حين يصد النزاع عن السبيل

Consultation Image

الإستشارة 19/02/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شاب في مقتبل العمر، منّ الله عليّ بخطوات أولى في طريق الهداية، وكنت أتابع الدعاة والمشايخ في المساجد وعبر الإنترنت بشوق ولهفة، أبحث عن نور يهدي قلبي ويثبّت قدمي.

لكنني فوجئت بواقع أوجعني؛ فكلما اقتربت من شيخ وجدت آخر يحذّر منه، ويسخر من منهجه، بل ويشكك في دينه ونيته. تحوّل من ظننتهم أهل خير إلى فرق متخاصمة، وصار كثير من المجالس الدعوية ساحات ردود وانتقادات لا تنتهي.

أصابني ذلك بإحباط شديد وغصّة في القلب، وبدأت أسأل نفسي: إذا كان هؤلاء هم حملة العلم وقدوة الناس، فماذا بقي لنا؟ بدأت أنفر من حضور الدروس، وأفكر في الانعزال، بل تسللت إلى نفسي شكوك في جدوى الطريق نفسه.. فكيف أتعامل مع هذه الصدمة؟ وهل هذا هو حال الدين حقًا؟

الإجابة 19/02/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، مرحبًا بك أيها الابن العزيز، وأحيي فيك صدقك وحرصك على فهم ما تمر به. اعلم رعاك الله أن ما أصابك هو أخطر آثار التنازع التي حذّر منها الإسلام، وهو الأثر الواقع على قلوب المدعوين في بدايات الطريق.

 

ولتنجو من هذه الفتنة، وتستعيد طمأنينة قلبك، فإليك هذا البيان:

 

أولًا: فرّق بين الدين وحملة الدين

 

من المهم أن تدرك أن الدعاة بشر، تجري عليهم نوازع النفس، ويقعون في الخطأ كما يقع غيرهم. وقوع النزاع بينهم لا يدل على خلل في أصل الدين، وإنما يكشف خللًا في تطبيق أخلاقه، ولو كان الناس معصومين لما جاءت الأوامر الربانية بالإصلاح، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾. فوجود النزاع ابتلاء، لا دليلاً على فساد المنهج الإلهي.

 

ثانيًا: ما تراه ثمرة آفات القلوب

 

كثير من هذا التراشق سببه التعصب للآراء، أو منافسة خفية بين الأقران، أو حظوظ نفس لم تُهذَّب. قد يختلط العلم بالهوى، ويغلب حب الظهور على حب الاجتماع. لكن احذر أن تجعل أخطاء البشر حجابًا يحجبك عن نور الوحي. ففساد الأواني لا يعني فساد الماء، وخطأ الحامل لا يبطل شرف المحمول.

 

ثالثًا: اجعل مرجعيتك الوحي لا الأشخاص

 

العلاج الحقيقي للحيرة هو أن تردّ الأمر إلى الله ورسوله، لا إلى أسماء الدعاة ولا إلى صراعاتهم، والحق لا يُعرف بالرجال، بل يُعرف بالدليل، ومن وافق الدليل فهو أولى بالاتباع. وإذا اختلف من أمامك، فانظر إلى من كان أقرب إلى العدل، وألزم للأدب، وأحرص على جمع القلوب لا تمزيقها.

 

رابعًا: تعلّم فقه الائتلاف وسعة الشريعة

 

الشريعة وسعت الاختلاف في الفهم، وجعلته تنوعًا ورحمة، لا سببًا للعداوة. والنبي ﷺ علّمنا هذا المعنى عمليًّا حين قال للمختلفين: (كلاكما محسن)؛ فالداعية الراسخ هو من يجمع الناس على الأصول، ويعذرهم في الفروع، لا من يجعل الخلاف بوابة للنزاع.

 

خامسًا: طريقك العملي للثبات

 

* ابتعد عن مجالس الردود والمهاترات، فكل مجلس لا يزيدك قربًا من الله يفسد قلبك أكثر مما ينفعك.

 

* الزم العلماء والدعاة الذين عُرفوا بسلامة الصدر، وصدق النصح، والحرص على إصلاح ذات البين.

 

* ذكّر نفسك دائمًا أنك تعبد الله لا الأشخاص، وأن الطريق إلى الله محفوف بالابتلاءات، ومنها فتنة الاختلاف.

 

وفي الختام:

 

لا تجعل تقصير بعض الدعاة سببًا في النفور من أعظم هداية عرفتها البشرية. الدين أعظم من ممثليه، وأنقى من أخطاء حَمَلته، كن أنت ثابتًا، متزنًا، محبًا للخير، واطلب بيئة تُذكّرك بالله لا تُشوش عليك الطريق. واعلم أن فساد ذات البين هو الحالقة، وأن وحدة القلوب هي روح هذا الدين.

 

ونسأل الله أن يثبت قلبك على الحق، وأن يريك الحق حقًا ويرزقك اتباعه، وألا يجعل فتن الناس حائلًا بينك وبين هدايته، وأن يملأ قلبك يقينًا وسكينة، ويؤلف بين قلوب عباده.

 

روابط ذات صلة:

كيف نتعامل مع ظاهرة التعصب للدعاة والجماعات؟

أغلال التعصب الرقمي وفتنة الأتباع

الرابط المختصر :