الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : تاريخ وحضارة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
50 - رقم الاستشارة : 4754
05/05/2026
هل عرفت الحضارة الإسلامية في إطار رعايتها للمعاقين نظام الوقف لرعايتهم والقيام على شؤونهم وهل استفاد المعاقون من الوقف في تفوقهم العلمي؟
أخي
الكريم، هناك
الكثير من صفحات الرحمة في حضارتنا الإسلامية، التي تكشف عن اهتمامها بالإنسان
لكونه إنسانًا، نحن في حاجة للاسترشاد بها في حياتنا، وفي تبيان حقيقة الإسلام
التي تتعرض لتشويه وطمس، ومن تلك الصفحات المطوية الأوقاف التي خُصصت للمعاقين
لرعايتهم وحمايتهم والتكفل بمعاشهم وتعليمهم، صونًا لكرامتهم وسعيًا لإيجاد مصادر
آمنة ودائمة للإنفاق عليهم.
أوقاف
العميان
الوقف
يعني في الاصطلاح الشرعي حبس العين عن التصرف فيها، وإنفاق ريعها في وجوه البر
والخير، ويُمنع بيع الوقف أو توريثه أو هبته، فهو صدقة جارية دائمة.
وقد
اتسعت دائرة الأوقاف لتشمل الأراضي والعقارات حتى الكتب والمنقولات، وتنوعت
الأبواب التي يتم الوقف عليها فشملت المناحي الحياتية والتعليمية والاجتماعية
والصحية، حتى الوقف على الطيور المهاجرة وبعض الحيوانات اليتيمة.
ومن
بين الأبواب والفئات التي اعتنى بها الوقف، هم المعاقون، وبخاصة العميان، وقد ذكر
الرحالة المغربي الشهير "ابن بطوطة" في كتابه "تحفة النظار في
غرائب الأمصار" أنه شاهد في بغداد وقفًا للعميان يتكفل بهم كفالة كاملة، حيث
تم تخصيص كسوة لهم، وغلام يقود كل كفيف ونفقة يومية للمعاش.
وعرف
التاريخ وقفًا لطائفة العميان الذين يدرسون في الجامع الأزهر، وكان وقفًا خيريًّا
يُنفق منه على مكفوفي البصر من طلبة الأزهر والمشايخ، وكان من مشاهير من تولى هذا
الوقف الشيخ "سليمان الجوسقي" فرغم كونه كفيفا فإنه استطاع أن يدير وقف
العميان بكفاءة واستثمر بعضه لزيادة موارد الوقف، فتحصلت أرباح من تجارة العسل
والغلال، وفاضت مدخولات الوقف عن احتياج العميان من الطلبة والمشايخ، فتم الإنفاق
على كثير من العميان خارج الأزهر.
وقد
أفرد المؤرخ "الجبرتي" مساحة للحديث عن دور "الجوسقي" في
رعاية العميان واستثمار الوقف وتحصيل أموال الوقف من الذين يؤخرون دفعها من
المستأجرين، وقال عنه الجبرتي: "وسار فيهم (أي العميان) بشهامة وصرامة
وجبروت".
ومن
أطرف ما يُذكر في هذا المقام أن بعض المحسنين أوقفوا دارًا خُصصت لتزويج العمي في
مدينة فاس.
رعاية
المغلوبين على عقولهم
كانت
هناك رعاية بالمجانين، وهؤلاء كانوا يعانون معاناة شديدة، وروى أهل التاريخ
والسِّير أن الوليد بن عبد الملك قد أعطى المعوقين العطايا وأمرهم ألا يسألوا
الناس، فأعطى كل مُقعد خادمًا، وكل ضرير قائدًا، وخصص ريع بعض الأوقاف على مرضى
العقول.
وتذكر
كتب التاريخ أن الخليفة العباسي "المعتضد بالله" خصص لمستشفى الصاعدي،
التي أسسها القائد "صاعد بن مخلد" أموالاً للإنفاق على المجانين، وكانوا
يسمونهم "المغلوبين على عقولهم".
ويذكر
العلامة "محمد كرد علي" في كتابه "خطط الشام" عن وقف خُصص
للمجانين، فيذكر أنه جاء في وقف أحد المستشفيات المخصصة للأمراض العقلية أن:
كل مجنون خُصص له خادمان يخدمانه فينزعان عنه ثيابه كل صباح، ويحممانه بالماء
البارد ثم يلبسانه ثيابًا نظيفة ثم يفسحانه في الهواء الطلق".
وفي
الدولة العثمانية كان السلطان "سليمان بن سليم" (المتوفى 974هـ=1566م)
يعتني برعاية المجانين وكان يخصص ويوقف في معظم المستشفيات مرافقًا يعتني بالمجنون
ويأخذه بالرفق واللين ويسمعه القرآن الكريم.
ويذكر
"أحمد عيسى" في كتابه " تاريخ البيمارستانات" أن السلطان
الحفصي في تونس "أبو فارس عبد العزيز بن السلطان أبي العباس
الحفصي" في القرن الثامن الهجري، خصص بيمارستان للضعفاء والغرباء وذوي
العاهات من المسلمين.
موضوعات
ذات صلة:
ما هي مظاهر اهتمام الحضارة الإسلامية بالمعاقين؟
ذوو الهمم ومكانتهم في وثائق ومعاهدات الرسول ﷺ