الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : تاريخ وحضارة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
374 - رقم الاستشارة : 3885
20/01/2026
عبادة التفكر والتفكير حيث نظر إليها التراث الإسلامي، وهل كان الشك جزءًا من التفكير في الرؤية الإسلامية؟
أخي الكريم، اهتم الإسلام بالعقل اهتمامًا كبيرًا، فجعله "مناط
التكليف"؛ فالشخص الذي يغيب عقله لجنون ونحوه فقد سقط التكليف عنه، ولهذا كان
العقل حاضرًا في الرؤية الإسلامية، وكثرت الدعوات في القرآن الكريم للعقل أن يباشر
مهمته في التفكير والبحث والتحري وفق منهجيات صحيحة بعيدة عن التحيز والميل، حتى
يصل إلى الحقيقة.
أداة منهجية
أخي الكريم، من الضروري أن نفرق بين الشك، كمسلك للعقل وأداة منهجية
لاكتشاف الحقيقة وتحري اليقين وفق منهجية واضحة، وبين التشكيك الهادف إلى خلخلة
الأفكار وزعزعة اليقين وإفقاد النفس والآخرين الثقة فيما يعتقدون؛ فالتشكيك له هدف
واضح، وهو متحيز تحيزًا واضحًا في جانب ضد الآخر.
وقد نصح أديب العربية "الجاحظ" أن يمارس الشخصُ الشكَ فيما
يجوز الشك فيه، فإذا لم يمتلك منهجية الشك التي توصل إلى اليقين فعليه أن يتوقف،
يقول "الجاحظ": "فاعرف مواضع الشّكّ وحالاتها الموجبة له لتعرف
بها مواضع اليقين والحالات الموجبة له، وتعلم الشك في المشكوك فيه
تعلُّمًا، فلو لم يكن في ذلك إلا تعرُّف التوقُّف ثمَّ التثبُّت لقد كان ذلك ممَّا
يحتاج إليه".
وعلى هذا فالشك ليس ممارسة عامة، ولكنه ممارسة ينهض بها القادر عليها؛ فمثلا
رياضة رفع الأثقال لا يمارسها إلا من يستطيع جسديًّا وتدريبيًّا أن يرفع الأثقال،
فإذا قام شخص غير قادر وغير مؤهل بممارسة تلك الرياضة فإنه قد يصاب بانزلاق غضروفي
وقد يؤذي نفسه إيذاءً كبيرًا، يقول الجاحظ في ذلك "والعوامُ أقلُّ شكوكًا
من الخواص.. فليس عندهم إلا الإقدامُ على التَّصديق المجرّد أو على التكذيب
المجرد وألغوا الحال الثالثة من حال الشَّكّ".
الشك محفز معرفي
قال علماء اللغة في تعريف الشك بأنه "تجويز أمرين لا مزية
لأحدهما على الآخر"، وقيل هو "التردد بين طرفي نقيض"، وقيل هو "أن
يبقى الإنسان متوقفًا بين النفي والإثبات"، وهو ما يعني أن العقلَ في الشك
يشبه السفينة التي تريد أن تهتدي إلى ميناء ترسو فيه، لا أن تسبح في البحر على غير
هدى.
والشك من محفزات العقل للبحث عن الحقيقة، فهو محرض على تحري المعرفة
والوصول إلى اليقين؛ لأنه قلق لا يطمئن إلا بالمعرفة، ولذا أولى الفكر الإسلامي
اهتمامًا بالشك كمنهجية توصل إلى المعرفة واليقين، ولهذا وجدنا الإمام أبو حامد
الغزالي يعتبر الشك أولى درجات اليقين، فيقول: "من لم يشك لم ينظر، ومن
لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر يبقى في العمى والضلال، فـالشك أول درجات
اليقين"، وكان يقول: "الشكوك هي الموصلة للحقائق".
وهناك علاقة وثيقة بين الشك والمعرفة من ناحيتين، الأولى: أن الشك إحدى
الطرق المهمة الموصلة للمعرفة، وثانيهما: أن غياب الشك يعني حضور المعرفة، وغياب
المعرفة يعني حضور الشك.
كذلك هناك علاقة وثيقة بين اليقين والشك، فالشك قد يكون مدخلا
لليقين، لأن اليقين في كثير من الأحيان لا يتأتى إلا بعد شك وحيرة وتردد، ومن ثم
فالشك يشبه المخاض الذي يتولد من اليقين.
وقد اتخذ الفقه الإسلامي من الشك وسيلة لتحقيق العدل، ودفع العقوبة
عن الشخص، ووضعوا قاعدة عظيمة تقول "الشك يفسح المجال للعفو"،
وهو مبدأ أخذ به القانون في قاعدة "أن الشك يُفسر لصالح المتهم"، ولذا
قال بعض الفقهاء إن القاضي "إذا عاقب بالشبهة فقد ظلم".
وأخيرًا أخي الكريم، الشك حتى يكون صحيحًا وصحيًّا من الناحية العقلية
والدينية والنفسية يجب أن يبقى في دائرة البحث والتفكير والقلق المعرفي الهادف،
وفي الأمور التي يتعلق بها التفكير والبحث، وليس في الأمور الاعتقادية الثابتة
والمستقرة، فلو تطرق الشك إلى اليقينيات الاعتقادية فإنه سيخرج عن معناه ومبناه،
وسيقود إلى حالة إلحادية أو إنكار لما هو معلوم بالدين بالضرورة.
ومن هنا -أخي الكريم- اجعل الشك حافزًا لك على البحث والمعرفة وشغف
الوصول للحقيقة، وليس شكًّا اعتقاديًّا ينتهي إلى الطريق الإلحادي المظلم.
موضوعات ذات صلة:
آداب السؤال في الحضارة الإسلامية
تقدير الكتاب في التراث الإسلامي