استخدام الذكاء الاصطناعي في التداول الآلي الضوابط والمحاذير

Consultation Image

الإستشارة 04/10/2026

كيف يُكيّف فقهياً التداول بـ "العقود الذكية" (Smart Contracts) القائمة على خوارزميات الذكاء الاصطناعي واللامركزية، حيث ينعدم الضامن البشري وتتداخل شبهة الغرر والجهالة مع آليات التنفيذ الذاتي والألي؟

الإجابة 04/10/2026

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن الشريعة الإسلامية لهي قانون صالح لكل زمان ومكان، وتتسم بالمرونة والاستيعاب لمستجدات النوازل العصرية والتقنيات المالية الحديثة. والتعاملات الرقمية المعاصرة لا تُحكم بالمنع أو الجواز بمجرد حداثتها، بل تُعرض على ميزان الشرع وقواعده الكلية، فما وافق مقاصد الشريعة وخلا من المحرمات القطعية كالربا والغرر والجهالة وأكل أموال الناس بالباطل؛ فهو مباح، وما تضمن شيئًا من ذلك مُنع بقدر ما فيه من مخالفة.

 

اختصارا: "العقود الذكية" في ذاتها هي مجرد "وعاء إلكتروني" وأداة لتوثيق وتنفيذ العقود، وتأخذ حكم المعاملة التي تبرم من خلالها فتكيّف فقهيًّا على أنها شكل من أشكال "التعاقد بالمعاطاة" أو "التعاقد بالكتابة والإشارة المفهومة". أما خلوها من الضامن البشري فلا يقدح في صحتها، لأن الضمان هنا يتحقق عبر التوثيق التقني الذي قد يفوق التوثيق البشري دقة. إلا أن دمج الذكاء الاصطناعي ليقوم بالتداول الآلي المستقل يوقع المعاملة في دائرة الخطر إذا أدى إلى "الغرر" و"الجهالة" في تحديد محل العقد وثمنه ووقت تنفيذه. وعليه؛ تجوز هذه العقود إذا كانت تبرم صفقات مباحة، بشروط محددة مسبقًا، وكانت الخوارزميات منضبطة لا تتصرف تصرفًا مجهول العاقبة، ويحرم التداول بها إذا تضمنت أصولاً محرمة، أو ربا، أو آلت إلى غرر فاحش بسبب الاستقلال العشوائي للذكاء الاصطناعي.

 

وتفصيلاً:

 

أولاً: حقيقة العقود الذكية المعززة بالذكاء الاصطناعي وواقعيتها وآلية عملها:

 

الآلية: العقد الذكي هو برنامج معلوماتي مكتوب بشفرة برمجية يُحفظ على شبكة لامركزية ويقوم هذا البرنامج بتنفيذ بنود العقد تلقائيًّا عند تحقق شروط معينة، وفق قاعدة إذا حدث كذا.. نفذ كذا دون الحاجة لتدخل طرف ثالث وسيط أو ضامن. وعند إدخال خوارزميات "الذكاء الاصطناعي" فيها، يصبح البرنامج قادرًا ليس فقط على التنفيذ، بل على اتخاذ قرارات التداول البيع والشراء بناءً على تحليل البيانات الضخمة وتوقعات السوق في أجزاء من الثانية.

 

هل هي واقعية أم افتراضية؟ هذه المعاملة واقعية تمامًا وتنتشر بسرعة هائلة؛ فهي تمثل العمود الفقري لما يُعرف بـ التمويل اللامركزي، والمنصات اللامركزية التي تستخدم العقود الذكية وصناع السوق الآليين، وهناك صناديق استثمارية تستخدم روبوتات الذكاء الاصطناعي لإبرام صفقات معقدة ومستقلة كليًّا عن التدخل البشري.

 

ثانيًا: التكييف الفقهي:

 

العقد الذكي يعد توثيقًا وتنفيذًا في آن واحد، وهو يندرج تحت قرارات مجمع الفقه الإسلامي الدولي المتعلقة بإبرام العقود بآلات الاتصال الحديثة، حيث يُعد تبادل الرسائل والإيعازات الإلكترونية بمثابة الإيجاب والقبول.

 

غياب "الضامن البشري" لا يفسد العقد؛ لأن المقصود من الضامن أو الوسيط هو "التوثيق وحفظ الحقوق"، وتقنية السجلات الموزعة توفر مستوى من التوثيق والاستحالة الرياضية للتلاعب يفوق توثيق البشر، وهو يحقق مقصد الشريعة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282]، والكتابة الرقمية المشفرة هي أعلى درجات الكتابة المعاصرة.

 

ثالثًا: المحاذير الشرعية ومواطن الزلل الفقهي في هذه العقود:

 

شبهة الغرر الفاحش والجهالة بسبب الذكاء الاصطناعي: الغرر هو ما انطوت عناصره على جهالة فاحشة، أو تساوى فيه احتمالان أغلبهما أخوفهما. فإذا كان الذكاء الاصطناعي يتداول بطريقة "الصندوق الأسود حيث لا يعرف المتعاقد ماذا ستشتري الآلة؟ وبكم؟ وماذا ستبيع؟ فإن هذا يوقع العقد في غرر فاحش نهى عنه النبي ﷺ كما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ. أما إذا كانت الخوارزميات مبرمجة على معايير محددة بحيث تشتري أصلاً معينًا بنطاق سعري محدد، فتنتفي الجهالة ويصح التوكيل.

 

الافتقار إلى الأهلية في الوكيل: هل يُعد الذكاء الاصطناعي وكيلاً؟ الوكالة في الفقه الإسلامي تفترض وجود "ذمة" للموكل والوكيل. والبرمجيات لا ذمة لها، بل هي "آلة" للمتعاقد. فإن أخطأت الآلة أو تم اختراقها، فإن العبء الفقهي يقع على المبرمج أو المستخدم بحسب التفريط.

 

غياب جهة التقاضي: لعدم وجود جهة قضائية مركزية تفصل في هذا النوع من النزاعات التقنية، وأيضا صعوبة الوصول إلى الحقائق والتفاصيل مع تريليونات العمليات في الجلسة الواحدة.

 

وقوع التعاقد في الربا أو الأصول المحرمة: الغالب الأعم من العقود الذكية اللامركزية حاليًا تعمل على مبدأ الإقراض والاقتراض بفوائد، وهو ربا صريح محرّم بالكتاب والسنة والإجماع.

 

انعدام خيار المجلس الشرعي: تنفذ العقود الذكية فوريًا وحتميًّا، مما قد يسلب المتعاقدَين "خيار المجلس" حق الرجوع في العقد ما داما في المجلس. وقد خفف المعاصرون من هذا بأن الموافقة على تشفير العقد وإطلاقه تُعد إسقاطًا ضمنيًّا لخيار المجلس.

 

موقف علماء الأمة في استخدام الذكاء الاصطناعي في التداول الآلي:

 

أكد فقهاء العصر، كما جاء في مقررات هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية أن العبرة في العقود المستحدثة بمآلاتها وما تشتمل عليه. ويقول الإمام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى: "الأصل في العقود والشروط الجواز والصحة، ولا يحرم منها ويبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله". وعليه، فالخوارزميات مجرد آلة، والآلة تأخذ حكم مقاصدها وما تفرزه من نتائج.

 

القواعد الفقهية الحاكمة في استخدام الذكاء الاصطناعي في التداول الآلي:

 

الأصل في العقود والمعاملات الإباحة: وهي القاعدة التي تبيح استخدام العقود الذكية والذكاء الاصطناعي كآلية تقنية ما لم تخالف نصًّا شرعيًّا صريحًا.

 

العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني: فالعقد الذكي ليس عقدًا جديدًا بذاته، بل يُنظر إلى نوع العملية التي ينفذها بيع، إجارة، قرض ربوي.

 

الغرر الكثير مفسد للعقد، واليسير معفو عنه: تُحكّم هذه القاعدة في عمل الذكاء الاصطناعي؛ فالتفاوت العشوائي التام يوجب بطلان المعاملة، بينما التفاوت المضبوط والمبرمج مسبقاً من قِبل الإنسان يعد غررًا يسيرًا تغتفره حاجة التداول المالي.

 

الخراج بالضمان، والغرم بالغنم: وتطبيقاتها هنا في حال حدوث خلل فني أو ثغرة برمجية، حيث يتحمل صاحب رأس المال الخسارة، لانتفاء الضامن الخارجي مما يوجب الحيطة القصوى. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

معاملة "التداول عالي التردد" في ميزان الحكم الشرعي

التداول في سوق الأوراق المالية (البورصة).. حقيقته وحكمه

التعليقات

الرابط المختصر :