الأفكار المتطفلة.. ما هي؟ وكيف نقاومها؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 13
  • رقم الاستشارة : 4024
03/02/2026

الأفكار المتطفلة ما تعريفها؟ ولماذا يعاني منها بعض الناس؟ وكيف يمكن التخلص منها؟ وهل هذه الأفكار صحية للعقل أم لها تأثيرات سلبية على التفكير؟

الإجابة 03/02/2026

أخي الكريم، جزء كبير من مشكلات الإنسان وحلولها ينبع من ذاته وتصوراته وأفكاره، فإذا كان يتمتع بمناعة نفسية وفكرية فإن أي أزمات لا تنال من صلابته؛ بل قد تكون الأزمة مثل النور الذي يكتشف به مكامن يجهلها في نفسه، ولذلك كان "جلال الدين الرومي" ذلك الشاعر والفيلسوف الصوفي يقول: "لا تجزع من جرحك، وإلا فكيف للنور أن يتسلل إلى باطنك؟".

 

نعم الإنسان الذي يتمتع بمناعة نفسية وروحية، قد تكون الأفكار غير المعتادة أو القاسية أو حتى المفاجئة، التي قد تصيبه ببعض الألم، لكن قد يكون معها مناعة نفسية وفكرية، وقد تكون نورًا لاكتشاف مجهولات نفسه، ومكامن القوة في ذاته.

 

ومن الضغوط التي يتعرض لها الكثير من الناس، أفكار ضاغطة مزعجة أسموها "الأفكار المتطفلة" هذه الأفكار تتعامل معها بعض العقول كأنها تطعيم ضد الأمراض، مثل تعامل الجسد مع الميكروب، فينتج الجسد لها المضادات اللازمة، فتكون حصانة من المرض، والتشبيه لا يبتعد كثيرًا في حالة العقول والنفوس، فبعض الأفكار تنجح العقول في إنتاج مضادات لها، فيقوى عقل الإنسان وروحه في مواجهة تلك الأفكار المزعجة.

 

ما هي الأفكار المتطفلة؟

 

أخي الكريم، في البداية يجب أن تعرف أن الأفكار المتطفلة يعاني منها جزء كبير من البشر، وقد تكون أكثر كثافة وإلحاحًا في فترة عمرية معينة، أو خلال مرحلة معينة من حياة الإنسان، ثم ما تلبث أن تزول عند الكثير، لكن يبقى بعض البشر يحتفظ بها ويختزنها لتتحول إلى مرض نفسي عضال.

 

الأفكار المتطفلة: هي أفكار وتخيلات ورغبات تفرض نفسها على العقل والتفكير، ومن شدة وطأتها، يعاني الإنسان معها من ألم نفسي بالغ؛ لأن غالبية هذه الأفكار تصطدم بقيم كبرى، سواء في الاعتقاد أو الأخلاق، ويدرك الشخص أنها شديدة الضرر، ويسعى للتخلص منها لضررها، لكن -حسب الطب النفسي- فإن تلك الأفكار ليست رغبات حقيقية، كما أن وجودها لا يعني بالضرورة أن الشخص سيتصرف بناء على إيحاءاتها، مثل الرغبة للجنس في سن الشباب، فقد تلح حتى على الشاب المتدين، الذي يمتلك معيارية أخلاقية للفضيلة والرذيلة، ويعاني من محاولة طرد تلك الفكرة المتطفلة على هدوء نفسه وسكينة إيمانه.

 

السيرة النبوية تحتفظ لنا بنموذج من تلك الأفكار المتطفلة، التي تسبب ضغطًا نفسيًّا للفرد ومعاناة كبيرة، ففي الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم، أن الصحابة الكرام، قالوا للنبي : "إنَّا نَجِدُ في أنْفُسِنا ما يَتَعاظَمُ أحَدُنا أنْ يَتَكَلَّمَ به". فقال : "قدْ وجَدْتُمُوهُ؟". قالوا "نعم". فقال : "ذاكَ صَرِيحُ الإيمانِ".

 

قال بعض شراح الحديث في معنى قول النبي  "قد وجدتموه" أي: "إنَّ إنكارَكُم لتلكَ الأفكارِ السَّيِّئةِ العَظيمةِ التي يَتسبَّبُ فيها الشَّيطانُ، وعِلمَكم بفسادِ تِلك الوَساوسِ، وامتناعَ نُفوسِكم، وتَجافيَها عنِ التَّفوُّه بها -دَليلٌ على صِدقِ الإيمانِ لدَيكم، ومَا فَعلتُموه هو الإيمانُ الحقيقيُّ"، أو كما قال الإمام ابن تيمية: "والمؤمن يُبتلى بوساوس الشيطان وبوساوس الكفر التي يضيق بها صدره، كما قالت الصحابة: يا رسول الله إن أحدنا ليجد في نفسه ما لئن يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يتكلم به، فقال: ذاك صريح الإيمان"، وهذا علاج نفسي ذاتي لمقاومة تلك الأفكار المتطفلة.

 

تطفل من الخارج

 

أخي الكريم، إن تطفل الأفكار قد يأتي من الخارج في شكل دعاية مُلحة لا تتوقف من أجل إقناع الشخص بفكرة معينة أو دفعه إلى مسار محدد، وهنا يجب أن تنتبه -أخي الكريم- إلى أن ذلك الضغط الذي تتعرض له بذلك التطفل ليس أزمة نفسية أو فكرية تعاني منها، ولكنه ناتج عن إلحاح الرسالة الإعلامية وتكرارها عليك بلا توقف.

 

وهنا أتذكر ما كتبه الطبيب والمحلل النفسي الأمريكي "جوست ميرلو" المتوفى عام (1976م) في كتابه الشهير "اغتصاب العقل: سيكولوجية السيطرة على العقل"، حيث قال: "إنّ التطفل المستمر على عقولنا بأصوات الجدال والدعاية الصاخبة قد يؤدي إلى نوعين من ردود الفعل، قد يؤدي إلى اللامبالاة والفتور، أو إلى رغبة أشد في الدراسة والفهم، وللأسف، فإنّ رد الفعل الأول هو الأكثر شيوعًا. فالهروب من الدراسة والوعي أمر شائع جدًّا في عالم يُلقي على الفرد صورًا مُضلّلة كثيرة".

 

هذا التطفل الخارجي على العقل، من خلال الدعاية الصاخبة، يتطلب أن تتعامل معه بالطريقتين معًا، فبعض التطفل يجب أن تتجاهله، والبعض الآخر من التطفل يجب أن تخضعه للدرس والفهم، وأن تُسائل هذا التطفل عن دوافعه الخفية وغاياته؛ لأن ذلك يحولك من موقف التلقي السلبي إلى العلاقة الجدلية والجدالية مع هذا التطفل الفكري، ويُمكنك أن تحقق عافيتك النفسية والعقلية، وربما هذا ما خلص إليه "ميرلو" بالقول: "الأوهام، إذا زُرعت بعناية، يصعب تصحيحها".

 

روابط ذات صلة:

كيف نحمي أنفسنا من شبح الانحلال؟

الأفكار المميتة.. كيف تتحول الفكرة إلى سلاح قاتل؟

ما خطورة الأفكار الميتة في حياتنا الثقافية؟

كيف يقود العقل الجماعي الجماهير؟

الرابط المختصر :