الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
1043 - رقم الاستشارة : 4382
17/03/2026
ما الحكم الشرعي في إخراج القيمة النقدية في زكاة الفطر بدل إخراجها حبوبًا؟
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فالمسالة محل خلاف بين الفقهاء فيرى الجمهور أن الأصل هو خروج العين في زكاة الفطر، ويرى الحنفية ومعهم عدد من الفقهاء القدامى والمعاصرين جواز إخراج القيمة، وما نرجّحه للفتوى مصلحة الفقير والتيسير على المزكي، فحيثما كانت مصلحة الفقير فثم شرع الله، وفي كثير من الحالات تكون القيمة أيسر وأفضل للمزكي وللفقير على حد سواء، ولا يجوز لأحد أن ينكر على أحد ولا يقيم معارك في غير ميدان ما دامت المسألة محل خلاف.
وهذه المسألة من أشهر المسائل التي يتكرر فيها النقاش الفقهي كل عام، وهي نموذج شديد الوضوح للموازنة بين "النص التوقيفي" و"المقصد الشرعي". وفيما يلي الآراء الفقهية وأدلتها:
الرأي الأول: عدم الجواز (وجوب الإخراج طعامًا)
وهو قول جمهور الفقهاء من المالكية، والشافعية، والحنابلة.
الأدلة:
السنة النبوية: حديث ابن عمر رضي الله عنهما: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير...» (متفق عليه). وجه الدلالة أن النبي ﷺ عين أصنافًا من الطعام، فلو كانت القيمة تجزئ لبيّنها.
فعل الصحابة: لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن عامة الصحابة أنهم أخرجوا دراهم في زكاة الفطر مع وجودها في عصرهم.
التعبد: اعتبروا أن زكاة الفطر عبادة مرتبطة بجنس معين (الطعام) كالأضحية، فلا يصح تغيير جنسها.
الرأي الثاني: جواز إخراج القيمة (نقدًا)
وهو قول الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد، وهو قول سفيان الثوري، وعمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، ومن المعاصرين الشيخ أحمد الغماري والشيخ مصطفى الزرقا ودار الإفتاء المصرية والعديد من المجالس الفقهية.
الأدلة:
المقصد الشرعي: قول النبي ﷺ: «أغنوهم عن طواف هذا اليوم» (رواه البيهقي). والقيمة (المال) في عصرنا هذا أقرب للإغناء وأقدر على سد حاجة الفقير (لشراء دواء، أو ملابس، أو دفع إيجار).
فعل الصحابة والتابعين: ثبت عن معاذ بن جبل رضي الله عنه في اليمن أنه كان يأخذ "العَرَض" (الثياب) بدل الحبوب في الزكاة وقال: «ائتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم في الصدقة مكان الشعير والذرة؛ فإنه أهون عليكم وخير لأصحاب النبي ﷺ بالمدينة».
التيسير: أن إخراج القيمة أيسر على المزكي في المدن، وأيسر للفقير الذي قد يضطر لبيع الحبوب بسعر بخس ليحصل على النقد.
الرأي الثالث: الجواز عند الحاجة أو المصلحة الراجحة
وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وطائفة من أهل العلم.
الدليل: جمعوا بين الأدلة؛ فالأصل هو إخراج الطعام اتباعًا للسنة، ولكن إذا كانت مصلحة الفقير في النقد أقوى (كما في حال كان الفقير يحتاج مالاً للعلاج أو كان عنده فائض كبير من الطعام)، فإن القيمة تجزئ وتجوز هنا.
كثير من دور الإفتاء المعاصرة (كالأردن، ومصر، والكويت في بعض فتاواها) تفتي بجواز القيمة تيسيرًا على الناس، بينما تتمسك اللجان العلمية في السعودية ودول أخرى بوجوب الطعام احتياطًا للعبادة، والمسألة خلافية بلا شك، ولا يجوز لمن اتبع رأيًّا الإنكار على من اتبع رأيًّا آخر، وفي كل خير.
والله تعالى أعلى وأعلم
روابط ذات صلة:
وقت زكاة الفطر بين الحكم الفقهي ومقاصد الشريعة
حكم من نسي إخراج زكاة الفطر، ونقلها أو دفعها لغير المسلمين
حكم تعجيل زكاة الفطر عن وقت وجوبها
زكاة الفطر عن المولود ليلة العيد