الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
21 - رقم الاستشارة : 5652
23/08/2026
ما حكم الدروس الخصوصية، في مصر مثلا يحتاج بعض أولياء الأمور إعطاء أولادهم دروسا في بعض المواد عند معلميهم في مدرستهم لضعف مستواهم فيها، فهل عليهم إثم في ذلك؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلا ومرحبًا بك أخي الكريم، واعلم حفظك الله
ورعاك أن التعليم من أشرف الأعمال وأجلّ القربات إذا استُحضرت فيه نية الإخلاص
والوفاء بالعقود، وقد شاع في الأزمنة المتأخرة الاعتماد على "الدروس
الخصوصية" لسدّ الفجوة التعليمية أو معالجة ضعف الطالب الدراسي.
والأصل الفقهي في "استئجار المعلم للتعليم"
الإباحة، إذ هو عقد إجارة على منفعة مباحة. غير أن دخول الطرف المعني معلم الفصل
أو المدرسة في هذا العقد يضفي عليه بعض المحاذير الشرعية قد تنقل الحكم من الإباحة
العامة إلى المنع أو تفصيل الحكم حسب الحالة، لما يترتب عليه من استغلال الوظيفة
العامة أو الإخلال بالوفاء بالعقد الأصلي مع جهة العمل كالوزارة أو المدرسة.
اختصارا: يحكم
شرعية إعطاء الدروس الخصوصية من عدمها عدة عوامل، منها:
1- هل التعاقد بينك
وبين جهة العمل ينص على منع الدروس الخصوصية؟ فإن كان فالمؤمنون على شروطهم ويجب
عليك الوفاء بالشرط، أو ترك العمل والتفرغ للدروس الخصوصية.
2- فإن لم تشترط جهة العمل منع الدروس الخصوصية، فهل تؤدي
عملك داخل الفصل بكل ما يستلزمه العمل من أمانة وإخلاص، ولكن ظروف أعداد الطلاب في
الفصل الواحد، ووقت الحصة، وتفاوت قدرات الطلاب يجعل من الطلاب من يفهم ومنهم من
يحتاج إلى جهد إضافي، فإن أديت طاب لك الفضل وإن قصرت فكسبك من عملك ومن الدروس
الخصوصية كسب خبيث.
3- أيضًا هل تعامل طلابك في الفصل في بسط الوجه، وتصحيح
الأوراق، والاهتمام بهم على قدم المساواة، أم أن طلاب الدروس الخصوصية هم المدللون
والآخرون منبوذون مستبعدون؟
4- هل تراعي السعر العادل لوقتك وجهدك، فلا تحمل أولياء
الأمور فوق ما يطيقون، وهم مجبرون إجبارًا معنويًّا فهم حريصون على تعليم أولادهم
عبر الدروس الخصوصية ولو بالحد الأدنى؟
وحتى لا يكون الأمر مجرد تنظير في الفراغ، فالمعلم الذي
يراعي كل هذه المحاذير في واقعنا المعاصر، يكاد يكون ثالث الغول والعنقاء، ولكن
ليس المعلم هو المنوط به إصلاح الدنيا وحده، وكأنه حائط المجتمع المتهدم، فعليه
وحده أن يكون مثاليًا، في مجتمع لا يعرف للمثالية طريقًا، يرفع السعر عليه الجزار
والبقال، واللبان، وصاحب البيت، وصاحب التاكسي، وبائع الملابس، والطبيب
والصيدلاني، وعليه وحده أن يكون القانع الوحيد، أحيانًا يكون إلزام طرف واحد دون
الجميع أحكام الشريعة ظلم بيّن. فالشريعة أصلها سياج يجمع الكل داخله، ولا أحسب أن
واحدًا بمفرده يقدر أن يعيش داخل السياج، والجميع يرتعون خارجه بلا رقيب. فليسدد
ويقارب والله المستعان.
وتفصيلاً:
الحكم على ولي الأمر والطالب: ليس عليهما إثم في إعطاء الابن دروسًا خصوصية
لحاجته الفعلية وضعف مستواه، شريطة ألا يكون ذلك رشوة للمعلم لشراء درجات غير
مستحقة، وأن تكون حاجة الطالب قائمة بالفعل.
الحكم على المعلم: يحرم على المعلم أن يعطي دروسًا خصوصية لأبنائه الذين يدرسهم في
المدرسة الرسمية إذا كان يترتب على ذلك تقصيره في الشرح بالمدرسة لضرورة الدروس،
أو التربح من وظيفته الرسمية بإجبار الطلاب، أو منحهم درجات غير مستحقة لهم، لما
في ذلك من غش وخيانة للأمانة واستغلال النفوذ. أمّا إذا كان لأحد غير طلابه وفي
غير أوقات عمله الرسمي وبإذن الجهة المنظمة، فالأصل الجواز.
وعليه أيضًا أن يراعي حرمة الاختلاط أو الخلوة الشرعية
بينه وبين طلابه، أو بين طلابه من الجنسين، مخافة فتنة متوقعة.
الوفاء بالعقود:
يجب على المسلم الوفاء بالعهود والالتزامات التي وافق
عليها عن رضى واختيار، إذا كانت هذه العقود لا تخالف حكمًا شرعيًّا ثابتًا، لقول
الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1].
وقال تعالى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً}
[الإسراء:34].
وفي كثير من الحالات فإن المدرس حين يبرم العقد مع وزارة
التربية يُشترط عليه ألا يقوم بالدروس الخصوصية وهو ملزم بهذا الشرط، لقول النبي ﷺ: "المسلمون
على شروطهم؛ إلا شرطًا حرمًّ حلالاً أو أحل حرامًا". رواه الترمذي وقال حسن
صحيح.
والإخلال بهذه الشرط لا يجوز وأي تقصير في الوفاء به
يُعتبر إثمًا، ولا شك أن في احترام المدرس لهذا الشرط أهمية في حل مشاكل الطلاب
التي أشار السؤال إلى بعض منها.
قال الشيخ عطية صقر: الدروس الخصوصية تعليم لا مانع من
أخذ الأجرة عليه ما دام غير متعين على المعلم، وما دامت هناك رغبة فيه من أولياء
أمور الطلاب، والمحظور هو تقصير المدرس في أداء واجبه الأصلي في المدرسة وحمله
الطلاب على أخذ دروس خصوصية، وتكون الدروس عنده بالذات، كما أن استغلاله لإعطاء
الدرس الخصوصي وربط نجاح الطالب به حتى لو لم يكن أهلا للنجاح ـ وذلك بوسائل
معروفة ـ حرام، وأيضا التغالي في تقدير الأجور، وبخاصة على من يعلم رقة حالتهم
المادية لا يرضاه الدين، وذلك إلى جانب المحاذير الأخرى في الدروس الخصوصية مع
اختلاف الجنس وفي ظروف يخشى منها الفساد. اهـ.
القواعد الفقهية الحاكمة في الدروس الخصوصية:
قاعدة: «الأصل في المعاملات الإباحة إلا ما دل الدليل
على تحريمه»
أخذ الأجر على تعليم العلوم النافعة مباح في أصله، ولا
ينتقل للحرمة إلا بوجود مانع شرعي كالغش أو الخيانة.
قاعدة: «الضرر يُزال» / «لا ضرر ولا ضرار»
إعطاء ولي الأمر درسًا خصوصيًّا لابنه لرفع ضرر الجهل أو
الضعف الدراسي مشروع، لكن إلحاق الضرر بغيره من الطلاب عبر المحاباة أو ابتزاز
معلم المدرسة ممنوع.
قاعدة: «الوسائل لها أحكام المقاصد»
إذا كانت وسيلة الدرس الخصوصي مع معلم الفصل تؤدي حتمًا
إلى مفسدة كالمحاباة في الدرجات أو تقاعس المعلم في أداء واجبه بالجهد الكامل
بالمدرسة، حرمت الوسيلة لسد الذريعة.
قاعدة: «المسلمون عند شروطهم»
المعلم مرتبط بعقد عمل مع لوائح وزارة التربية والتعليم
التي تمنع في كثير من الأحوال استغلال الصفة الوظيفية لمنح دروس لأبناء الفصل
نفسه، فالوفاء بالعقد الشكلي والوظيفي واجب شرعًا. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: