الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
91 - رقم الاستشارة : 5439
29/07/2026
أعيش في شقة سكنية إيجار قديم (مؤبد بحكم القانون المدني القديم)، وتوفي المستأجر الأصلي وهو والدي، والآن يطالبنا صاحب البناية بإخلاء الشقة أو دفع مبلغ ضخم لشراء عقد جديد، بينما يتيح لي القانون البقاء فيها بأجرة زهيدة؛ فهل بقائي في الشقة اعتماداً على القانون دون رضا المالك حلال أم غصب؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبا بك أخي الكريم، وإن مسألة
الإيجارات التي تغيرت في الماضي فجأة من صيغة الإيجار الحر المؤقت إلى الإيجار
الجبري المؤبد بقرار فردي غير مدروس العواقب، قد خلفت وراءها ظلمًا كثيرًا، وكان
العلامة الأستاذ الدكتور عبد الستار فتح الله سعيد حفظه الله يقول: "إن الوضع
الذي انتكس وتغير بفعل مخالفة الشريعة، يصعب على الشريعة أن تُحَكَّم فيه، وذلك
لأن الشريعة لا ترضى الفعل ابتداء فكيف تعالج آثاره انتهاء".
والأصل أن الحكومات التي عقَّدت الوضع ـ بقرارها القديم
غير المدروس ـ عليها أن تتحمل تبعاته وتعالج آثاره، فإن لم تفعل فماذا تفعل
الأرملة التي شابت وهي تدفع جنيهات وليس لها مأوى آخر، والمطلقة التي تؤويها أربعة
جدران ولا طاقة لها أن تستأجر بالآلاف، وأيضا ماذا يفعل صاحب عمارة تساوي قيمتها
عدة ملايين وهو يعيش في فقر مدقع ربما عنده شقة تؤويه وربما يسكن بالإيجار.
والكلام في هذه القضية أيسر من الفعل، صحيح أن العقود
والالتزامات في الشريعة الإسلامية قامت على التراضي بين العاقدين، والعدل الذي
يُقيم الحقوق ولا يظلم المالك ولا المستأجر، إلا أن تراكمات الماضي تحول الآن بين
المتعاقدين والتراضي والعدل.
وقد عُنِي الفقهاء رحمهم الله تعالى بباب
"الإجارة" عناية بالغة، وضبطوا أحكامها بشروط ومحددات تضمن استقرار
المعاملات وعدم أكل أموال الناس بالباطل، وفي مقدمة هذه الشروط: تحديد المدة
ومعلومية الأجرة، لأن الشريعة تشترطهما في عقود المعاوضات نفيًا للجهالة والغرر.
اختصارًا: الأصل
أن الإقامة في الشقة اعتمادًا على قانون الإيجار القديم دون رضا المالك الشرعي
تُعدّ شرعًا من قبيل الغصب وحبس مال الغير بغير حق، ولا يجوز ديانةً الاستمرار
فيها.
وعقد الإيجار في الشريعة الإسلامية عقد مؤقت بطبيعته
بمدة محددة وينتهي بانتهائها أو بوفاة العاقدين، ولا يصح شرعًا أن يكون العقد مؤبدًا
أو ممتدًا تلقائيًّا إلى غير نهاية لمجرد صدور قانون بذلك؛ إذ إنّ القوانين
الوضعية لا تُحلّ حرامًا ولا تُحرّم حلالاً إذا خالفت أصول الشريعة القطعية.
والواجب شرعًا في هذه الحالة إما الاتفاق مع صاحب
البناية برضاه على عقد جديد بسعر المثل أو قيمة يتراضى عليها الطرفان، أو إخلاء
الشقة وتسليمها لمالكها، ولا يحلّ أخذُ عينٍ أو حَبْسُها اعتمادًا على قوة القانون
الوضعي إذا كان مخالفًا للشرع.
وتفصيلاً:
رأي الفقهاء المتقدمين في تأبيد عقد الإجارة
اتفق جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية
والحنابلة على أن تأبيد عقد الإجارة يبطله، وأن الإجارة عقد على منفعة معلومة لمدة
معلومة بأجرة معلومة، فإذا جهلت المدة أو جعلت مؤبدة بطل العقد.
قال الإمام ابن قدامة الحنبلي - رحمه الله - في
المغني: «وَلَا تَجُوزُ الإِجَارَةُ
إلَّا عَلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ... فَإِنْ قَال: أُجَرْتُكَهَا كُلَّ شَهْرٍ
بِدِرْهَمٍ، لَمْ يَصِحَّ، لأَنَّ المُدَّةَ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ».
وجاء في مجلة الأحكام العدلية - المادة 452: «يشترط أن
تكون مدة الإجارة معلومة».
وقد قرر فقهاء المذاهب الأربعة أن منافع العقار ملك
للمالك، ولا يستبيحها غيره إلا بطيب نفس منه بعقد صحيح:
قال الإمام الشافعي - رحمه الله - في الأم: «لَا يَحِلُّ
مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، وَالإِجَارَةُ عَقْدٌ عَلَى
المَنَافِعِ فَلَا تَكُونُ إلَّا بِتَرَاضٍ وَمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ».
قرارات المجامع الفقهية وهيئات الفتوى المعاصرة في تأبيد
عقد الإجارة
واتفقت المجامع الفقهية المعاصرة ودور الفتوى الرسمية
على حرمة الامتداد القانوني غير المشروط بعقد شرعي تراضي عليه الطرفان:
قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون
الإسلامي - القرار رقم 44 6/5:
«الأصل في العقود الشرعية - ومنها عقد الإجارة - أنه
ينتهي بانتهاء المدة المحددة في العقد، ولا يجوز إلزام المالك بتجديد العقد أو
الامتداد الخالي من تحديث الأجرة والمدة إلا بتراضيهما... وإن القوانين التي تقضي
بالتأبيد أو الامتداد التلقائي بغير رضا المالك هي قوانين باطلة شرعاً ولا تلزم
المتعاقدين ديانةً».
فتوى دار الإفتاء:
«عقد الإيجار في الشريعة الإسلامية من عقود المنفعة
المؤقتة، والتأبيد في عقد الإيجار يجعله عقدًا فاسدًا شرعًا... والاعتماد على
القانون الوضعي للبقاء في العين رغمًا عن المالك وبأجرة زهيدة تُغايِر أجرة المثل
يُعدُّ غصبًا للحق بغير وجه حق، والمؤمن لا يأخذ ما لا يحل له بقوة القانون».
فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة
العربية السعودية:
«لا يجوز للمستأجر أن يبقي العين المستأجرة تحت يده بعد
انتهاء مدة الإجارة المحررة في العقد إلا برضا المالك، والبقاء فيها بغير رضاه غصب،
وتصرف في مال المسلم بغير حق».
القواعد الفقهية الحاكمة في تأبيد
الإجارة
قاعدة: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلا
بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ»
منفعة السكنى في العقار ملك لصاحبه، فغصب هذه المنفعة أو
استبقاؤها بسعر رمزي فرضًا رغمًا عنه ينافي "طيب النفس".
قاعدة: «الرضا مبدأ العقود وحاكمها» و«الأصل في العقود
التراضي»
لقول الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ
تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29]، وبقاء المستأجر بعد وفاة والده واستمرار العقد
دون عقد جديد يرتضيه المالك الحالي يلغي شرط التراضي الرئيسي.
قاعدة: «حكم الحاكم لا يحلل حرامًا ولا يحرم حلالاً»
القوانين الوضعية والأحكام القضائية تعامل تصرفات الناس
ظاهرًا، ولكنها لا تغيّر حقائق الأمور في حكم الله تعالى ولا تجعل الحرام حلالاً
في باب الديانة.
قاعدة: «الغصب حرام، والمنفعة المغصوبة مضمونة»
احتباس العين المملوكة للغير دون استحقاق شرعي أو عقد
صحيح يُعتبر غصبًا للمنفعة، ويوجب على الساكن إما التوصل إلى صلح وتراضٍ مع المالك
أو ردّ العين إليه. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: