المجتمع المرهق.. لماذا أصبح سمة العصر الحالي؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : فكر معاصر
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 17
  • رقم الاستشارة : 5526
04/08/2026

يوصف المجتمع المعاصر بأنه مجتمع مرهق، أو مجتمع منهمك في المادية والأشياء، فما دلالة هذا المصطلح لماذا أصبحت المجتمعات غارقة في المادية؟

الإجابة 04/08/2026

أخي الكريم، الحداثة والتطور السريع والنمط الرأسمالي في الحياة، والسعي الحثيث وراء الإنجاز، وربط قيمة الإنسان بإنجازه المادي، كل ذلك رفع من وتيرة السرعة داخل المجتمع، وأصاب الإنسان والمجتمع بالإرهاق، فلا يحقق هدفًا حتى يسعى للآخر، فلم تعد النفس تشبع، وبات الطموح بلا سقف ولا نهاية.

 

المجتمع المرهق

 

"مجتمع مرهق" The Burnout Society هو اسم كتاب للمفكر الألماني، ذو الأصل الكوري الجنوبي "بيونغ تشول هان" صدر باللغة الألمانية عام 2010م، يحلل فيه تحولات المجتمع الحديث، مع التطبيق على المجتمع الكوري الجنوبي، من مجتمع تقليدي إلى مجتمع شديد التنافسية مهووس بالإنجاز، وفي ظل هذا المجتمع المرهق فإن الإنسان هو من يستغل نفسه طواعية تحت شعارات الإنجاز والنجاح، وهو ما يؤدي إلى شيوع أمراض العصر النفسية من اكتئاب وتوتر وقلق.

 

الضريبة المؤلمة التي تدفعها المجتمعات شديدة التنافسية هي شيوع الأمراض النفسية، فبدلاً من أن تؤدي تلك المجتمعات إلى تحسين جودة الحياة والرفاهية النفسية، فإن العكس هو ما يحدث؛ فـ"ثقافة الراحة" التي توفرها الأجهزة الحديثة ونظام الخدمات المتقدم، يُقلل من نشاط الإنسان، فيتزايد خموله وتقل حركته ويصبح جسده فريسة للضعف، وروحه جاذبة للتوتر والقلق، والانشغال بالأمور البسيطة التي تهيمن على تفكيره ولا يستطيع أن يتخلص من وسواسها القهري.

 

المجتمع المرهق هو ذلك المجتمع الذي لا يستطيع أفراده أن يتعاملوا بإيجابية ويديروا تجاربهم السلبية دون أن تخدش قوتهم النفسية، ولذلك فإن ما يكشف عن المصطلح هو أن الإجهاد والإرهاق ليسا تجارب فردية أو شخصية، ولكنهما من سمات المجتمع الحديث.

 

وحسب فكرة "هان" للمجتمع المرهق، لم يعد المنبوذون هم الذين يقبعون في مستشفيات الأمراض العقلية أو السجون، لكن المنبوذين -حاليًا- يضاف إليهم قليلو الإنجاز، الذين لا يستطيعون تلبية متطلبات التحفيز الذاتي نحو الإنجاز، يقول "هان": "الشخص المنهك، المكتئب، الذي يسعى للإنجاز، يُرهق نفسه، إنه متعب، منهك من ذاته، وفي حالة حرب معها، عاجز تمامًا عن الانفتاح على العالم، عن الوقوف خارج ذاته، عن الاعتماد على الآخر، على العالم، يُطبق فكيه على نفسه؛ ومن المفارقات، أن هذا يؤدي إلى فراغ الذات وتفريغها، يُنهك نفسه في سباق محموم يخوضه ضد ذاته".

 

ثقافة الإنجاز، عندما تخرج عن حدودها الطبيعة، تتحول لإرهاق وضغط نفسي وتوتر، ويصبح الإنسان هو مَن يُكره نفسه على العمل المتواصل، وكما يقول "هان": "مجتمع العمل والإنجاز ليس مجتمعًا حرًا، بل يُولّد قيودًا جديدة... وفي نهاية المطاف، لا تُفضي جدلية السيد والعبد إلى مجتمع يتمتع فيه الجميع بالحرية والقدرة على الترفيه، بل تُفضي إلى مجتمع عملٍ يتحوّل فيه السيد نفسه إلى عبدٍ عامل. في هذا المجتمع المُجبر، يحمل كل فرد معسكر عملٍ داخليًّا، يتحدد بكونه سجينًا وحارسًا في آنٍ واحد، ضحيةً وجانيًا. يستغل المرء نفسه، ما يعني أن الاستغلال ممكن حتى في غياب الهيمنة".

 

ومن أخطر ما ينتجه المجتمع المرهق هو "الفردية المفرطة" وهي تتسبب في العزلة الاجتماعية، وإضعاف المجتمعات، وزيادة الشعور بالوحدة، ويضع الفرد نفسه فوق الجميع، ولذلك كان أحد شعاراتها الدراجة هو "أنا لا أدين لأحد بأي شيء"، وهو شعار يستخدم لوضع حدود فاصلة في العلاقات، ويلغي كثيرًا من جوانب التراحم والتعاطف الإنساني، ويجعل العلاقات تدور في فلك المادية والمنفعة الشخصية فقط.

 

وختامًا أخي الكريم، إن الإيمان بالموت وفناء العالم واليوم الآخر، كفيل بأن يخفف حدة هذا الإرهاق ويُنشئ في النفس قناعات عميقة من الإيمان بالرزق، وألا يكون سعي الإنسان في الحياة سعيًا مرهقًا لروحه وجسده، فالقلب إذا اطمئن ذهب عنه الإرهاق والضغط، والنفس إذا رضيت وقنعت جعلت بينها وبين الأمراض النفسية حجابًا منيعًا، أما الجسد فسعيه يجب أن يكون متوازنًا بحيث لا يستهلك نفسه ويجد نفسه بعد تحصيل المال أمام قائمة من الأمراض تنتظره لينفق عليها هذا المال.

 

موضوعات ذات صلة:

كيف غذت الفردانية ظاهرة العزوف عن الزواج؟

كيف نظرت الفلسفة المادية لتطوير الذات؟

الفردانية.. وتفكيك المجتمعات

الفلسفة المادية وتراجع الرحمة في المجتمع

لماذا تغييب قيمة التراحم في المجتمعات المادية؟

الرابط المختصر :