بتر قدم المريض إنقاذًا لحياته دون إذنه.. هل يجوز شرعا؟

Consultation Image

الإستشارة 20/08/2026

أنا طبيب جراح جاءني مريض يعاني من ورم خبيث في رجله، وقررت اللجنة الطبية أن الحل الوحيد لإنقاذ حياته ومنع انتشار المرض هو "بتر الرجل" فوراً، والمريض الآن في غيبوبة ولا يمكن استئذانه، وعائلته ترفض التوقيع خوفاً عليه؛ فهل يجوز لي شرعاً إجراء العملية وبتر عضوه لإنقاذ حياته دون إذنه أو إذن عائلته؟

الإجابة 20/08/2026

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، تتطرق هذه المسألة إلى نازلة من النوازل الطبية المعاصرة تجمع بين تقديم حفظ النفس المعصومة -والذي هو من الضروريات الخمس- والتصرف في جسد الإنسان دون إذن صريح منه أو من أوليائه عند التعذر؛ حيث يتعارض خطر الفوات المحقق للنفس مع مراعاة حق المريض وأوليائه في تقرير المصير الطبي.

 

اختصارًا: يعتمد الحكم في هذه الحالة على سماح القوانين (التي تقوم مقام إذن ولي الأمر) بالسماح بهذا نصًّا وصراحةً، ولا يكفي في هذا مجرد السكوت عن حكم هذه الحالة، فإن سمحت فيجوز شرعًا -بل يجب أحيانا على اللجنة الطبية المختصة- إجراء عملية بتر الرجل فورًا لإنقاذ حياة المريض، ولا يُلتفت لرفض العائلة؛ لأن إنقاذ النفس المعصومة من التلف المحقق مقدم على شرط الإذن، وولاية أسرته تُعدّ ساقطة إذا سمحت القوانين، ولكن لا بد من الالتزام بالشروط القانونية التي تنظم عمل الطبيب والتي تختلف باختلاف المكان؛ لأن هذه المسألة ربما ينتج عنها ضرر ماحق للطبيب يسجن به مدى الحياة، أو يستأصل كل ماله إن خالف القواعد الطبية المعمول بها، فليست نفس المريض أولى من نفسه.

 

وتفصيلاً:

 

اتفق عامة الفقهاء من المذاهب الأربعة على جواز قطع العضو المتآكل إذا تحقق أن في بقائه تلف النفس، ولكن شرطوا ذلك بموافقة المريض نفسه أو وليه، أو إذن ولي الأمر إن تعذر الحصول على إذن المريض أو أحد أوليائه.

 

وقد صحّ عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: لددنا (وضعنا الدواء في فمه دون رغبة منه) رسول الله، فأشار ألّا تلدوني، فقلنا: كراهية المريض للدواء، فلما أفاق قال: ألم أنهكم ألّا تلدوني، لا يبقى منكم أحد إلا لُدَّ، غير العباس، فإنه لم يشهدكم.

 

وهذا يوضح أن إذن المريض البالغ العاقل ضروري لإجراء أمر التداوي، فإذا صرّح المريض، أو أشار أنه يرفض نوعًا من أنواع التداوي، فله الحق في ذلك، ويكون إجباره على التداوي تعديًا.

 

وقد أشار الإمام ابن قدامة -رحمه الله- إلى اعتبار إذن المريض، أو وليه وذلك بقوله: "وإن ختن صبيًا بغير إذن وليه، أو قطع سلعة من إنسان بغير إذن، أو من صبي بغير إذن وليه فسرت جنايته ضمن، لأنه قطع غير مأذون فيه. وإن فعل ذلك الحاكم، أو من له ولاية عليه، أو فعله من أذنا له لم يضمن لأنه مأذون فيه شرعًا. اهـ.

 

وقد نص الفقهاء على أنه إذا أدى عدم القطع إلى هلاك الكل، جاز القطع بل وجب. وقد نقل الإمام النووي الشافعي المعنى الحاصل في المذهب بأن قطع العضو للضرورة جائز إذا خيف هلاك النفس بسببه.

 

قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي (التابع لمنظمة التعاون الإسلامي) بشأن العلاج الطبي:

 

جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي المتعلق بشأن العلاج الطبي: يشترط إذن المريض للعلاج إذا كان تام الأهلية. اهـ.

 

وجاء في قراره بشأن الجراحة التجميلية وأحكامها، في بيان الضوابط والشروط العامة لإجراء عمليات جراحة التجميل: أن يكون العمل الجراحي بإذن المريض.

 

القواعد الفقهية الحاكمة بشأن العلاج الطبي:

 

«الضرورات تبيح المحظورات»: إن التصرف في جثة الإنسان أو قطعه جزءًا منه أصله الحظر، ولكنه يباح لضرورة صيانة أصل النفس من الهلاك.

 

«الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف»: فقدان رجل المريض (ضرر أدنى) يغتفر في سبيل دفع هلاك النفس كليًّا (ضرر أشد وأعظم).

 

«يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام / إيثار المصلحة الراجحة»: تفويت عضو واحد في سبيل بقاء الذات هو المصلحة الراجحة قطعاً.

 

«لا ضرر ولا ضرار»: امتناع أهل المريض يؤدي إلى ضياع حياته، وفي منعهم من هذا الامتناع إزالة للضرر المحقق الواقع على المريض، وقد يكون لبعضهم غرض في هلاك المريض فيكتفى بالإذن العام وضمان مصلحة المريض. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

ضمان الطبيب: حقيقته وحكمه وضوابطه

التعليقات

الرابط المختصر :