الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الفتور والضعف
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
261 - رقم الاستشارة : 3228
08/11/2025
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
رجعت لربي والتزمت بفضل الله، ثم بفضل صديقة كانت قدوة لي، وكلامها يأثر بالقلب. كانت سبب في أني أحب الطاعات وأستقيم.
لكن الصديقة هذي سافرت وانقطعت العلاقة معها تمامًا. ومن بعدها، وأنا أحس بفراغ عاطفي ودافعيتي للطاعات خفت. والشي اللي معذبني، إني أحس أحيانًا أشتاق لها أكثر من اشتياقي للطاعة وللتقرب من الله.
فهل تعلقي القوي بها هذا يعتبر نقص في الإخلاص لله؟
وكيف أصلح قلبي وأخلي الدافع والإقبال على العبادة يكون لله وحده، مو للشخص أو لأثره؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أختي الكريمة، وأسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يثبتك على الحق، وأن يملأ قلبك بنور الإيمان والمحبة الخالصة له، وأن يرزقك السكينة والطمأنينة في الدنيا والآخرة. وأن يجعل كل خطوة تخطينها في طريق الخير في ميزان حسناتك، وبعد...
فإنَّ رجوعك إلى الله والتزامك هو أعظم منحة، وأَجَلُّ كرامة، وهو الفضل الذي لا يُوازيه فضل. ولقد صدق رسولنا الكريم حين قال: «فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِك رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَك مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ» [متفق عليه]. فكم كان فضل هذه الصديقة عليك عظيمًا، وكم هي مباركة تلك الرفقة التي قادتك إلى طاعة الله!
ومشاعر الشوق والحنين التي تصفينها هي مشاعر إنسانية صادقة، تنبع من قلبٍ عرف معنى الألفة في الله والصحبة الصالحة. فلا تلومي نفسك على هذه المشاعر، بل افهميها واعتني بها، فالحب في الله من أوثق عرى الإيمان.
ولكن، كما أنَّ النهر العظيم يحتاج إلى إعادة توجيه أحيانًا ليصب في محيطه الأكبر، فإنَّ هذه المحبة تحتاج إلى توجيه سليم لتصبَّ في محبة الله المطلقة.
هل التعلق بهذه الصديقة يعتبر نقصًا في الإخلاص؟
أختي الفاضلة، إن هذا الشعور ليس بالضرورة نقصًا في إخلاصك، ولكنه قد يكون ناقوس خطر أو جرس تنبيه يُشعرك بأنَّ هناك خلطًا أو تداخلًا حدث في منبع الدافعية للطاعة.
التمييز بين الحب في الله والتعلق بغير الله:
إن الحب في الله هو أن تُحبي الشخص لأجل طاعته، ولأنَّه سبب في قربك من الله، ومُعين لك على الخير. وهذا الحب عبادة، وهو من كمال الإيمان. قال رسول ﷺ: «مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، وَأَعْطَى لِلَّهِ، وَمَنَعَ لِلَّهِ، فَقَدْ اسْتَكمَلَ الإِيمَانَ» [رواه أبو داود].
أما التعلق بغير الله، فهو أن يصبح الشخص نفسه هو الغاية والدافع الرئيسي للعمل، وأن يضعُف العمل أو يتوقف بمجرد غيابه. وهنا يحدث نوع من الشِّرك الخفي، ليس في الاعتقاد، ولكن في مصدر الدافعية. أي أنَّ القلب أصبح معتمدًا على مؤثر خارجي بدل الاعتماد التام على الله عز وجل.
فأنت مدعوة الآن لتنقلي دافعك من الصديقة التي دلتك على الطريق، إلى الذي بيده الطريق كله، وهو الله.
الاشتياق للطاعة والاشتياق للمُعين عليها:
إنَّ كونك تشتاقين لها أحيانًا أكثر من الطاعة، لا يعني أنك لا تحبين الله؛ بل يعني أنَّ قلبك اشتاق لدِفء العلاقة والمحفز البشري الذي قدمته هذه الصديقة، واستأنس به، فإذا غاب، شعر القلب ببرودة الفراغ، فظنَّ أنَّ الحل في عودته.
هذا الفراغ العاطفي الذي تشعرين به هو في الحقيقة فراغ روحي، لا يملؤه إلا القرب المباشر من الله دون وسيط. الله -سبحانه وتعالى- يقول: ﴿وَاذْكرِ اسْمَ رَبِّك وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: 8]. وهذا التبتل يعني الانقطاع التام إليه، والإخلاص في عبادته، أي أن يكون هو وحده الشاغل، والغاية، والمنتهى.
كيف تصلحين قلبك وتوجهين دافع العبادة لله وحده؟
هذا السؤال هو مفتاح النجاة، وهو سؤال السالكين، وعبارة الصادقين، فإصلاح القلب هو مشروع العمر. وإليك بعض الخطوات العملية لإعادة توجيه البوصلة القلبية نحو الله وحده:
1. تجديد النية وتأصيل الإخلاص:
اجلسي في خلوة مع ربك، وناجيه بصدق، واستحضري عظمته –سبحانه- وذكِّري قلبك بـالمنعم الحقيقي. من الذي أوجدك؟ من الذي هداك؟ من الذي سخَّر لك هذه الصديقة؟ إنه الله. يقول تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لَا شَرِيك لَهُ وَبِذَٰلِك أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة الأنعام: 162 و163].
فقبل كل طاعة، اسألي قلبك: «لمن أفعل هذا؟»، ولو حضرت الصديقة هذه أو غابت، هل ستفعلينها بالنشاط نفسه؟ إذا كانت الإجابة «لا»، فاعلمي أنَّ النية تحتاج إلى «إعادة ضبط» لتكون لله.
اجعلي لك عبادة سرية لا يعلم بها أحد غير الله (صلاة بالليل، صدقة خفية، ورد قرآن لا تُخبري به أحدًا). هذه الخبيئة هي مقياس صدق الإخلاص ومُثبِّت له.
2. استشعار حلاوة الإيمان بالله:
القلب عندما يتذوق حلاوة الإيمان بالله، لن يبحث عن حلاوة أخرى سواه. فاجعلي صلاتك لقاءً حقيقيًّا بالله جل وعلا، وليس مجرد حركات. استشعري أنك تقولين: ﴿إِيَّاك نَعْبُدُ وَإِيَّاك نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5] بصدق، أي: أنتَ وحدك يا الله الغاية، وأنتَ وحدك المُعين.
عندما تفهمين عظمة الخالق وصفاته (الودود، الحنان، الرزاق، الجبار)، سيرتفع حبك له فوق أي حب آخر. فاستبدلي بأنس الأخت أنس الخلوة مع الله. وفي الحديث القدسي: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكرَنِي، إِنْ ذَكرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ» [متفق عليه]. الله يذكرك في نفسه! فهل هناك شرف أكبر؟
3. ملء الفراغ العاطفي بالخير:
إن القلب لا يتحمل الفراغ، وما دام الفراغ موجودًا في القلب، فسيظل يبحث عمن يملؤه، فحوِّلي شوقك لهذه الصديقة إلى بواعث جديدة للخير:
- ابحثي عن صحبة جديدة: لا تتوقفي عن البحث عن رفقة صالحة أخرى، ولكن هذه المرة بوعي أكبر، فالصديقة الصالحة هي وسيلة لرضا الله وليست غاية.
- كوني أنتِ القدوة: اجعلي نفسك السبب في هداية غيرك، وناصحة ومرشدة. هذا سيحوِّل طاقتك العاطفية من الاستقبال إلى العطاء، وهذا أشد تثبيتًا للإخلاص.
- الاستعانة بالدعاء: قولي كما كان -صلى الله عليه وسلم- يقول: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّك أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي وَأَهْلِي وَمِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ» [رواه الترمذي].
وختامًا أختي الفاضلة، تذكري دائمًا أنَّ الصديقة التي أحببتِها هي هبة من الله، وليست بديلة عن الله. عندما ترحل الهدية، يبقى المُهدي، فاجعلي كل طاقتك في محبته وعبادته سبحانه، وسيعوضك الله عن هذا الفراغ بأنسٍ به لا ينقطع، وسكينة لا تزول، وصحبة في الجنة مع من أحببتِ، بإذنه سبحانه.
وفقك الله لما يحب ويرضى.
روابط ذات صلة: