بين النصيحة المحمودة والفضيحة المردودة خيط آداب رفيع

Consultation Image

الإستشارة 13/07/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فضيلة الشيخ، أحسن الله إليكم.

ورد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: «أتانا رسولُ الله ﷺ فرأى رجلًا ثائرَ الرأس، فقال: أما كان هذا يجد ما يُسكِّن به شعرَه؟ ورأى رجلًا عليه ثيابٌ وسخة فقال: أما كان هذا يجد ماءً يغسل به ثوبَه؟». (رواه أبو داود، وهو حديث حسن). وكذلك قال النبي ﷺ: «من كان له شعرٌ فليُكرِمْه».

سؤالي: إذا قلنا لشخص شعره ثائر أو غير مرتب، أو ذكرناه بهذه الأحاديث النبوية وحثثناه على العناية بشعره ونظافته اقتداءً بسنة النبي ﷺ، فهل يُعد ذلك من باب العيب أو التنقيص منه؟ أم أنه يدخل في النصيحة المشروعة إذا كان المقصود التذكير بالسنة وليس السخرية أو الاحتقار؟ جزاكم الله خيرًا، وبارك في علمكم.

الإجابة 13/07/2026

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، واعلم رعاك الله أن الشريعة الإسلامية شريعة جمال ونظافة، تعتني بالمظهر والجوهر معًا، وقد كان النبي غاية في حسن المظهر وطيب المخبر. وإن نصح المسلم لأخيه وحثه على التأسي بالسنة النبوية في ترجيل الشعر ونظافة الثوب هو من عموم الدين الذي قال فيه النبي : «الدِّينُ النَّصِيحَةُ». إلا أن الشريعة كما اعتنت بظاهر العباد، صانت كذلك قلوبهم وأعراضهم، وجعلت للنصيحة مسالك وآدابًا تخرج بها من حيز الجرح والتنقيص إلى حيز النفع والتقويم.

 

اختصارًا: اتفق العلماء على أن الأمر النبوي بإكرام الشعر وتنظيف الثياب هو للندب والاستحباب والإرشاد، وليس للوجوب، الأصل أنها نصيحة مشروعة ومستحبة إذا تجردت عن السخرية والتعيير، وقُصد بها الإعانة على تطبيق السنة.

 

ولكن قد يتحول هذا الفعل الجائز أو المستحب إلى مكروه أو محرم إذا غابت عنه آداب النصيحة كأن تكون علانية، أو إذا أدت إلى مفسدة أعظم؛ مثل نفور المدعو، أو شعوره بالمهانة والتنقيص.

 

ويجب على الناصح دراسة حال الشخص؛ فمن غلب عليه الجهل بأحكام الشريعة أو عدم الاهتمام بها في زماننا، يُستحسن تذكيره من مداخل أخرى مقبولة لديه، كأعراف المجتمع، أو قواعد وآداب العمل، تلافيًا لنفوره من الدين.

 

وكذلك أن يكون بين المدعو والداعي علاقة تسمح له بتوجيه النصح، فليس من المقبول للأسف في زماننا أن نوجه ملاحظات شخصية إلى من لا نعرف طباعه، فلربما أدى ذلك إلى عواقب وخيمة، وخاصة إذا كانت في باب المندوب، فالأصل أنه لا إنكار في باب السنن والمندوبات.

 

وتفصيلاً:

 

أولاً: دلالة الأمر النبوي هل هو للوجوب أم للندب؟

 

قرر علماء الأمة أن الأوامر المتعلقة بالهيئات والنظافة الشخصية والآداب العامة تحمل على الندب والإرشاد ما لم تقترن بوعيد أو نهي عن الضد يحملها على الوجوب.

 

عند المتقدمين:

 

قال الإمام أبو الوليد الباجي في المنتقى شرح الموطأ عند حديث «من كان له شعر فليكرمه»: "أَمَرَ بِمُعَاهَدَةِ الشَّعْرِ بِالتَّنْظِيفِ وَالتَّسْرِيحِ وَالتَّطْيِيبِ، وَهَذَا عَلَى جِهَةِ الْأَدَبِ وَالنَّدْبِ لَا عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ".

 

وقال الحافظ ابن عبد البر في الاستذكار: "إكرام الشعر: تزيينه وتنظيفه بجهد الطاقة... وفيه دليل على الاستحباب للنظافة، ومراعاة السنن المأثورة في الهيئة الحسنة".

 

ثانيًا: التفريق بين النصيحة والتعيير التنقيص

 

ميّز العلماء بدقة بين محض النصيحة التي يسوقها الإشفاق، وبين التعيير الذي يسوقه الاحتقار.

 

عند المتقدمين:

 

صنف الحافظ ابن رجب الحنبلي رسالة فذة بعنوان الفرق بين النصيحة والتعيير، وجاء فيها: "النصيحة اقترانها بالستر، والتعيير اقترانه بالإشاعة... فالناصح ليس له غرض في إشاعة عيب الرجل، وإنما غرضه إزالة المفسدة التي وقع فيها، وأما المعير فغرضه إشاعة العيب وهتك الستر".

 

عند المعاصرين:

 

جاء في فتاوى ابن باز المجلد 5، ص 316 في ضوابط الدعوة والنصح: "الرفق في إنكار المنكر والنصيحة هو الأصل، والأسلوب الحسن يفتح القلوب، أما العنف والغلظة والتنقيص فإنه ينفر ويكسر النفوس ويسد أبواب القبول".

 

ثالثًا: القواعد الفقهية الحاكمة:

 

الأمور بمقاصدها: إن كان القصد إحياء السنة النبوية وإعانة الأخ على التجمل، فهو عبادة ومأجور عليها. أما إن كان الدافع الاستعلاء أو إظهار النقص في مظهر الشخص، انقلب الفعل وزرًا وضغينة.

 

الوسائل لها أحكام المقاصد: فإذا كانت النصيحة مقصدًا شريفًا، لكن وسيلتها اشتملت على إحراج المسلم أو فضيحته بين الناس، أخذت الوسيلة حكم التحريم أو الكراهة بحسب الحال.

 

درء المفاسد مقدم على جلب المصالح: مصلحة تطبيق سنة ترجيل الشعر أدنى بمراتب من مفسدة كسر قلب المسلم، أو دفعه للنفور من الدين وأهله. فإذا خشي الناصح تحقق المفسدة، وجب كف اللسان.

 

ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب: وفي فقه الدعوة إن كان قبول النصيحة متوقفًا على لِين الجانب، والسرية، ومراعاة نفسية المقابل، أصبحت هذه الآداب واجبة شرعًا على الناصح.

 

رابعًا: مراعاة آداب النصيحة ومراعاة واقع المدعو:

 

حتى تخرج كلمتك من باب "العيب والتنقيص" وتدخل في باب "النصيحة المشروعة المأجورة"، يتعين مراعاة الآتي:

 

آداب النصيحة الذاتية:

 

يجب أن تكون النصيحة سرًّا بينك وبينه، بلفظ لطيف لا يحمل صيغة الأمر العسكري أو التهكم. كما قال الإمام الشافعي في ديوانه:

 

تَعَمَّدني بِنُصحِكَ في اِنفِراد ... وَجَنِّبني النَصيحَةَ في الجَماعَة

 

فَإِنَّ النُصحَ بَينَ الناسِ نَوعٌ ... مِنَ التَوبيخِ لا أَرضى اِستِماعَه

 

مراعاة فقه المآلات وحال المدعو:

 

الناس في زمننا يتفاوتون في مدى تدينهم وتقبلهم للأدلة الشرعية؛ فبعض المقصرين أو الزاهدين في الأحكام إذا صدرت له النصيحة بقالب "قال رسول الله" في أمر مستحب كترجيل الشعر، قد يضيق صدره وتأخذه العزة بالإثم، وربما يتلفظ بكلمات تضره في دينه استخفافًا بالسنة.

 

فإذا رأى الداعية الحذِق أن المدعو لن يقبل الموعظة الدينية مباشرة، فإن من الحكمة والسياسة الشرعية استخدام مداخل دنيوية معتبرة ومحترمة لديه تؤدي نفس الغرض؛ مثل:

 

آداب وقواعد العمل كأن يقال له ودًّا: "طبيعة عملنا واجتماعاتنا تتطلب دائمًا الحفاظ على مظهر منسق وممتاز أمام الزملاء والعملاء لتعطي انطباعًا جيدًا كشخصيتك".

 

العرف والذوق العام: كأن يقال له: "الناس في العرف والمجتمع ينظرون إلى ترتيب الشخص من مظهر هندامه وشعره".

 

وختامًا: تذكير الشخص بهيئة شعره مستحب إذا كان دافعه المودة والستر والشفقة، ولا يُعد تنقيصًا بذاته. لكنه ينقلب عيبًا وتعييرًا مكروهًا أو محرمًا إذا غابت عنه السرية واللطف، أو أدى إلى نفور المدعو، والحكمة تقتضي تنويع المداخل بحسب تقبل الشخص وعقليته لضمان المآل المحمود. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

كيف أدرِّب نفسي على قبول النصيحة؟

بين الحب والحق.. كيف أنصح صديق عمري العاصي؟

الرابط المختصر :