الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
16 - رقم الاستشارة : 5808
14/09/2026
ما الحكم الشرعي في إلزام العمال باستعمال تقنيات التتبع الجغرافي (GPS) خارج أوقات العمل بدواعي الجاهزية للطوارئ الوظيفية؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن
عقود الإجارة والعمل في الفقه الإسلامي مبنية على المعاوضة العادلة وتحديد المنافع
والأزمان؛ فالزمن خارج الدوام الرسمي هو ملكٌ خالص للأجير، يرتفق فيه بحياته
الخاصة وأهله، ولا يملك المستأجر (رب العمل) عليه حقًّا فيه إلا بقدر ما أُجر
لأجله بعقدٍ صريح شروطًا وزمنًا، وفي إجباره على المراقبة خارج العمل اعتداءٌ على
حرمات البيوت وحريات الأفراد.
اختصارًا: إلزام
العُمال بتتبع مواقعهم الجغرافية خارج أوقات العمل الرسمية وتحت ذرائع الجاهزية
للطوارئ هو تصرفٌ يخضع لطبيعة العقد وطبيعة الممارسة التي تتم على الموظف لحمله
على القبول بهذا الشرط، فإن كان العامل راضيًا ويتقاضى من الأجر ما يعوضه عن كونه
تحت الطلب 24 ساعة يوميًّا، فلا بأس والعقد شريعة المتعاقدين، إلا عقدًا أحل حرامًا
أو حرم حلالاً، أما إن كان مجبرًا على القبول به تحت ضغط الحاجة والفقر،
وكانت الشركة تستغل ظروفهم فهو محرم شرعًا وممنوع؛ لما فيه من تعدٍ صارخ على
الخصوصيات، وتعطيل لمقاصد الشريعة في حفظ الحقوق، وتحويلٍ لعلاقة الإجارة الرشيدة
إلى تسلط واستعباد مقنع.
فيحرم
شرعًا على أصحاب العمل تتبع العمال تقنيًّا أو فرض الرقابة المكانية عليهم خارج
أوقات العمل الرسمية بدعوى "الطوارئ"، ويُعد ذلك إهدارًا للحقوق
الشخصية، ومخالفة لمبدأ العدالة، واستغلالاً محظورًا لسلطة العمل، وما بُني على
هذا الإلزام من تكاليف أو أضرار فهو باطل ومردود.
وتفصيلاً:
شرح
مفصل للممارسة وربطها بمظاهر العبودية:
تُطبّق
هذه الممارسة في بعض الشركات الحديثة وقطاعات الخدمات اللوجستية والأمنية
المتقاطعة مع التطبيقات الرقمية، حيث تظل تطبيقات الشركات عاملة في هواتف الموظفين
أو سياراتهم لتتبع حركتهم على مدار أربع وعشرين ساعة. هذا الإجراء يحول الموظف إلى
"أجير طِوعي" مسلوب الإرادة طوال الأسبوع، بحيث يتقيد في حركته وسكناته،
وينعكس ذلك سلبًا على نفسيته وأسرته جراء شعوره الدائم بالاستحواذ المادي والمعنوي
عليه.
علاقة
ذلك بمظاهر العبودية: إن جوهر الرق والعبودية هو استعباد
الإنسان وسلب حريته وإرادته لصالح السيد بلا عوضٍ مكافئ ولا زمانٍ محدد. وتتبع
العامل في خلواته ومبيته تحت اسم "الجاهزية" يفرغ عقد العمل من طابعه
الشرعي القائم على تراضي الطرفين وتحديد المنفعة، ليغدو شكلاً معاصرًا من أشكال
الاستعباد الإداري الذي يربط حرية الإنسان الشخصية برضا رئيسه طوال اليوم.
وتخضع
هذه الممارسة الحديثة لعدد من الضوابط الشرعية المشهورة، وينبغي على نقابات العمال
وروابطهم المهنية كل في مجال تخصصه التشهير بهذه الممارسة والتنديد بها ومعارضتها
بكل وسيلة ممكنة، ومن هذه المبادئ:
مبدأ
عدم التكليف بما لا يطيق وتحديد المنافع: نص الفقهاء على
أن الإجارة عقد مقيّد بالزمان أو العمل. جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية
(1/282): "الأصل في الإجارة أنها عقد لازم، وأن الأجير يستحق الأجر بتسليم
نفسه في المدة إن كانت مؤقتة، أو بالعمل إن كان مقدرًا بالعمل، ولا يلزم بما جاوز
ذلك إلا برضاه وعوض جديد".
حفظ
الخصوصيات وحرمة التجسس: استقر الفقه الإسلامي على تحريم التجسس
وتتبع العورات واقتحام الخصوصيات، استنادًا لقوله تعالى: {وَلَا تَجَسَّسُوا}
[الحجرات: 12]. وقد بيّن الإمام القرطبي في تفسيرها (16/333) أن تتبع عورات الناس
والبحث عن خفاياهم أمر محرم شرعًا. ومراقبة تحركات الموظف في منزله وخارج عمله هي
صورة معاصرة للتجسس المنظم.
القاعدة
النبوية في رفع الضرر: استند المعاصرون في النوازل المعاصرة إلى
الحديث الشريف: «لا ضرر ولا ضرار» (رواه مالك في الموطأ وأحمد)، وإلزام الموظف
بالبقاء تحت المجهر الرقمي دائماً يلحق به ضررًا نفسيًّا واجتماعيًّا فادحًا يمنعه
من حقه المشروع في الراحة والخصوصية.
القواعد
الفقهية الحاكمة في تتبع مواقع العاملين خارج الدوام:
قاعدة
"الأصل في الأشياء الإباحة: عقود العمل تجيز الاستفادة من وقت
العمل المحدد، وأي توسع بغير رضا حقيقي ومقابل مالي معتبر يُعد أكلاً لأموال الناس
بالباطل.
قاعدة
"الضرورات تقدر بقدرها": إن وُجدت حالة طوارئ حقيقية
واستثنائية، جاز تنظيمها بضوابط محددة وبأجر استثنائي، لا أن تُتخذ الطوارئ ذريعةً
دائمة مستمرة لإلغاء حق الإنسان في حياته الشخصية.
قاعدة
"التصرف على الرعيّة منوط بالمنفعة": ولا منفعة
مشروعة لرب العمل في تتبع حياة عامله الشخصية خارج أوقات دوامه، بل فيها مظلمة
محضة وضرر ظاهر. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
استعمال برامج الذكاء الصناعي للتجسس على الموظفين