تحصيل الشرط الجزائي.. العدالة ميزان الشريعة

Consultation Image

الإستشارة 06/07/2026

تعاقدت مع مقاول لبناء منزلي، واشترطت عليه في العقد غرامة تأخير قدرها 1000 دولار عن كل يوم يتأخر فيه عن موعد التسليم المتفق عليه، وقد تأخر فعلاً شهراً كاملاً وأريد خصم الغرامة من دفعته الأخيرة؛ فهل هذا الشرط الجزائي جائز شرعاً؟

الإجابة 06/07/2026

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، المعاملات المالية وعقود المقاولات والإنشاءات المعاصرة تقوم على ضبط الحقوق والالتزامات بين أطراف العقد، تلافياً للنزاع والخصومة. ومن عظمة الشريعة الإسلامية أنها اتسمت بالمرونة والعدل، فأباحت للأفراد اشتراط ما يحفظ أموالهم ومصالحهم، ويمنع المماطلة والتقصير، ما لم يخالف هذا الاشتراط نصًّا قاطعًا من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ، أو يفضِ إلى أكل أموال الناس بالباطل كالربا. وتحرير حكم "الشرط الجزائي" في عقود المقاولات هو من المسائل التي استقرت فيها الفتاوى المعاصرة بناءً على أصول فقهية راسخة مأثورة عن السلف الصالح.

 

اختصارًا: الشرط الجزائي المتفق عليه في عقد المقاولات لبناء المنزل جائز شرعًا وصحيح في أصله؛ لأن عقد المقاولات من عقود "الاستصناع" وليس من "عقود الديون"، وتأخر المقاول في تسليم المنزل يمنحك الحق في تطبيق الشرط وخصم غرامة التأخير.

 

ومع ذلك، يخضع هذا الجواز لضوابط تفصيلية مهمة:

 

سبب التأخير: يجب أن يكون التأخير ناتجًا عن تقصير وتفريط من المقاول نفسه، أما إن كان التأخير بسبب "ظروف قاهرة" خارجة عن إرادته كانقطاع المواد من الأسواق تمامًا، أو تقلبات جوية استثنائية منعت العمل، أو تأخر التراخيص الحكومية دون سبب منه، فلا يحق لك خصم الغرامة عن تلك الفترة.

 

قيمة الغرامة تعادل الضرر الفعلي: اشترطت المجامع الفقهية ألّا يكون الشرط الجزائي مغالى فيه بصورة خارجة عن العرف مثل اشتراط 1000 دولار عن كل يوم تأخير في منزل صغير قد لا تتجاوز قيمة إيجاره أو الضرر الفعلي فيه 50 دولارًا يوميًّا. فإذا ثار نزاع واعتُبر المبلغ عقابيًّا تعسفيًّا، يتم تعديله قضائيًّا أو عبر التحكيم ليتناسب مع الضرر الفعلي المباشر الذي لحق بك كقيمة إيجار سكن بديل، أو تكاليف إضافية بسبب التأخير.

 

وتفصيلاً:

 

انقسمت آراء الفقهاء في تكييف الشروط الجزائية بناءً على نوع العقد ومحله، ويمكن تفصيل المذاهب والاتجاهات على النحو التالي:

 

أولاً: الحالات التي يمنع فيها الشرط الجزائي إجماعًا

 

أجمع العلماء قديمًا وحديثًا على أن الشرط الجزائي محرم وباطل ولا يجوز مطلقًا إذا كان محل العقد "دينًا مستقرًا في الذمة"؛ كأن يشترط المقرض على المقترض، أو البائع بالتقسيط على المشتري، غرامة مالية إذا تأخر في سداد الأقساط النقدية؛ لأن هذا هو عين ربا الجاهلية إما أن تقضي وإما أن تربي.

 

ثانيًا: الحالات التي يجوز فيها الشرط الجزائي

 

يجوز الشرط الجزائي في عقود المقاولات، والتوريد، والاستصناع، وهي العقود التي يكون محلها عملاً أو صنعة، وليست دينًا نقديًّا ثابتًا. وفي هذا الإطار تتباين مواقف المذاهب التاريخية والمجامع الحديثة:

 

مذهب الحنابلة وهو أصل الجواز: يرى إمام المذهب أحمد بن حنبل وتلاميذه أن الأصل في الشروط الإباحة والحل، ويقرون بصحة الشروط التي تجبر الضرر وتمنع المماطلة.

 

جاء في صحيح البخاري معلقًا عن التابعي الجليل ابن سيرين:

 

"قال رجل لكريِّهِ مؤجر دابته: أدخل ركابك، فإن لم أرحل معك يوم كذا وكذا فلك مائة درهم، فلم يخرج، فقال شريح القاضي: مَن شرط على نفسه طائعًا غير مكره فهو عليه".

 

وقد نصّ شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم على توسيع هذا الأصل؛ وجاء في إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم ج 3 / ص 338: "الوفاء بهذه الشروط هو مقتضى العدل والمصلحة... والأصل في العقود والشروط الجواز والصحة، إلا ما أبطله الشارع أو نهى عنه".

 

مذهب الحنفية والشافعية والمالكية: كانوا يميلون قديمًا إلى إبطال الشروط التي تضفي زيادة مالية غير قابلة للمقابلة بعوض عيني ويسمونها الشروط التي تقتضي غرامة مجردة، لكن الحنفية استثنوا "عقد الاستصناع" وأجازوا فيه حطّ جزء من الثمن مقابل تأخر الصانع؛ لأن الزمان في الصنعة معتبر.

 

الموقف المعاصر المستقر:

 

قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي: في دورته الثانية عشرة بالرياض عام 2000م، أصدر المجمع القرار رقم 109 4/12 بشأن الشرط الجزائي، وجاء فيه تفصيل حاسم: "الشرط الجزائي في القانون هو اتفاق بين المتعاقدين على تقدير التعويض الذي يستحقه من شُرط له منهما إذا لم ينفذ الطرف الآخر التزامه أو تأخر في تنفيذه".

 

"يجوز أن يكون الشرط الجزائي في جميع العقود المالية ما عدا العقود التي يكون الالتزام الأصلي فيها دينًا؛ فإن هذا ربا صريح... وبناءً على هذا، فيجوز هذا الشرط في عقود المقاولات بالنسبة للمقاول، وعقود التوريد بالنسبة للمورد، وعقود الاستصناع بالنسبة للصانع إذا لم ينفذ التزامه أو تأخر في تنفيذه".

 

"الضرر الذي يجوز التعويض عنه بموجب الشرط الجزائي هو الضرر المالي الفعلي، ويشمل الفائت المستقر، ولا يشمل الضرر المعنوي".

 

"يحق للمحكمة بطلب من أحد الطرفين أن تعدل في مقدار التعويض أو الغرامة إذا ثبت أن الشرط كان مغالى فيه إلى درجة كبيرة، أو أن الالتزام الأصلي قد نُفّذ جزئيًّا".

 

القواعد الفقهية الحاكمة:

 

قاعدة: "المسلمون على شروطهم، إلا شرطًا حرّم حلالاً أو أحل حرامًا"

 

هذا الحديث الشريف يجري مجرى القاعدة الفقهية الكبرى في المعاملات؛ فاشتراط غرامة على المقاول ليس فيه إحلال لحرام، بل هو إلزام بجبر النقص وتفادي المطل والتأخير الذي يضر بمصالح أحد طرفي العقد.

 

قاعدة: "الأصل في الشروط الإباحة"

 

وهي قاعدة مذهب الإمام أحمد؛ وتدشن بناءً فقهيًّا مفاده أن كل شرط يحقق مصلحة معتبرة للطرفين ولا يصطدم بنص يمنعه، فهو شرط صحيح واجب النفاذ ديانةً وقضاءً.

 

قاعدة: "لا ضرر ولا ضرار"

 

تطبق هذه القاعدة باتجاهين لدفع الضرر عن رب العمل نتيجة تأخر السكن وفوات المنفعة، وأيضا لدفع الضرر عن المقاول إذا كانت الغرامة المشترطة 1000 دولار يوميًّا ضخمة جدًّا ولا تتناسب مطلقًا مع حجم المشروع، مما يجعلها إضرارًا محضًا وأكلاً لماله دون مقابل فعلي، وهنا يتدخل القضاء أو التحكيم لتقليل الغرامة إلى حد الضرر الفعلي العادل. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

تفعيل الشرط الجزائي بين استيفاء الحقوق والتعسف

الشرط الجزائي في العقود، تعريفه، أنواعه وحكمه الفقهي

كيف تتصرف بعد التوقيع على عقد؟

قوة قاهرة منعته من الوفاء بالعقد.. فهل يحل لي إلزامه بالشرط الجزائي؟

إجارة النفس لعمل محرم .. هل الشرط الجزائي عذر كاف؟

الرابط المختصر :