وقّعت عقدًا به مخالفات شرعية دون علمي بها.. فهل عليّ إثم؟

الإستشارة 29/06/2026

قمت بالتوقيع على عقد شراء وحدة سكنية بالتقسيط وبعد أيام عند استلام العقد كنت أتصفح البنود وقمت بقراءة بنود وديعة الصيانة وفهمت منها أنه سيتم الصرف من فوائد ذلك المبلغ على أعمال الصيانة وبالتالي سيتم إيداع المبلغ في أحد البنوك.

وللعلم بأنني لم أكن أعلم كيف يتم إدارة وديعة الصيانة قبل توقيع العقد ولم يكن عندي علم بأنها تودع في البنوك، وللعلم بأن مبلغ الوديعة منفصل عن الأقساط.

وبناء عليه استفسرت من ممثل الشركة عن وديعة الصيانة وكيفية إدارتها وأبلغته برغبتي في أن يتم إدارتها بشكل يتوافق مع أحكام الشريعة، أبلغني بأنه يتم إيداع المبلغ في أحد البنوك ولم يتم تحديد البنك بعد وقد يكون بنك يتوافق فيه استثمار الوديعة مع أحكام الشريعة الإسلامية وتحديد نسبة التطهير وإخراجها وقد يكون بنك آخر لا يعمل ضمن الضوابط الشرعية.

فأخبرتهم عن رغبتي بتحديد الطريقة لتتوافق مع أحكام الشريعة وأحاول معهم في هذه النقطة، ولكن كما تعلمون بأن القرار في النهاية للشركة، ولكننا نستعين بالله ونحاول معهم كما يوجد غرامة تأخير في حالة التأخر عن سداد وديعة الصيانة.

وعند توقيعي كنت أوقع بنية أن هذا البند معطل وأدعو الله أن يعينني على السداد وكان توقيعي عند تلك النقطة يرجع إلى فكرة العقوبة التعزيرية وأن البند معطل مع حرصي بإذن الله على السداد في الموعد حتى لا تطبق تلك الغرامة ويوجد غرامة ١٠٪ من قيمة الوحدة في حالة إلغاء العقد.

وقد تواصلت معهم برغبتي في تعديل بنود العقد لتتوافق مع أحكام الشريعة في تلك النقاط وعندما طلبت تغيير عقدي قبل لي بأن العقود موحدة وأرسلت لهم ملاحظاتي على تلك النقاط وأسأل الله أن يوفقنا في إقناعهم بتحديث تلك البنود فما حكم هذه المعاملة وكيف أتصرف؟

وللعلم، فقد كان فهمي لوديعة الصيانة أنها مبلغ يعادل (5%) من قيمة الوحدة يُسدَّد قبل التسليم وفقًا للعقد ويُستخدم في صيانة مرافق المجمع والأعمال المتعلقة بالصيانة. وكان اعتقادي أنها تُدفع للشركة المالكة لتقوم بالإنفاق منها على أعمال الصيانة، ولم يكن في ذهني أن المقصود بـ”الوديعة” أنها تُودع في حساب أو تترتب عليها فوائد أخرى.

وبناءً على هذا الفهم، لم أكن منتبهًا إلى أن الشرط الجزائي المترتب على التأخر في سداد وديعة الصيانة - أو أي فروقات صيانة مستقبلية - قد يكون محل إشكال شرعي إذا كان يندرج ضمن الغرامات المالية المحرمة. والسبب في ذلك أن تركيزي عند مراجعة العقد كان منصبًا على التأكد من عدم وجود أي شروط جزائية تتعلق بأقساط ثمن الوحدة، لأنها كانت أكثر ما يشغلني من الناحية الشرعية.

كما أن مبلغ وديعة الصيانة منفصل عن سعر الوحدة، وكان فهمي السابق أنها مجرد مبلغ مخصص لتغطية أعمال الصيانة، ولذلك كنت أنوي - بإذن الله - سداده في موعده المحدد.

وعندما رأيت شرط الغرامة المالية عند التأخر، لم يكن قصدي قبول الغرامة أو الرضا بها، وإنما قلت في نفسي: بإذن الله لن أتأخر في السداد، وسألت الله أن يعينني على الوفاء في الموعد حتى لا أقع في هذا الأمر.

الإجابة 29/06/2026

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، الشريعة الإسلامية قررت أن الأصل في العقود والشروط الإباحة والحل، إلا ما خالف نصًّا شرعيًّا أو تضمن ربًا أو غشًّا. ومن النوازل العقارية المعاصرة ما يُعرف بـ "عقود الإذعان الموحدة" لشراء الوحدات السكنية، والتي تفرض فيها الشركات بنودًا نمطية لا يملك المشترون تعديلها أو التفاوض فيها.

 

ويستدعي النظر الفقهي في هذا السؤال تفكيك البنود بدقة شديدة لمعرفة مواطن الخلل الشرعي التي دخلت على السائل بناءً على عدم العلم السابق بطبيعة "وديعة الصيانة"، موازنةً بين الأحكام التكليفية للشروط الفاسدة وبين الآثار المترتبة على فسخ العقد وتحمل غرامة إلغاء ضخمة تتجاوز طاقة المكلف، مستصحبين نية السائل وحرصه على السداد في الموعد نأيًا بنفسه عن الوقوع في المحظور.

 

اختصارًا: عقد شراء الوحدة السكنية في أصله صحيح ونافذ شرعًا، وتُعتبر الشروط المخالفة للشريعة الواردة فيه كشرط استثمار الوديعة في بنك ربوي، وشرط غرامة التأخير، هي من قبيل "الشروط الفاسدة التي لا تبطل العقد الأصلي" عند جماهير الفقهاء، خاصة مع وجود حاجة السكن وتوقيع العقد بناءً على الجهل بتفسير البنود.

 

مواطن الخلل الشرعي المحددة في عقدك:

 

استثمار وديعة الصيانة في بنك ربوي: وضع الأموال لتدر فوائد ربا يُنفق منها على الصيانة هو تمويل محرم، والواجب استثمارها في بنك إسلامي عبر عقد مضاربة أو وكالة بالاستثمار، أو إيداعها في حساب جارٍ دون فوائد.

 

غرامة التأخير عن سداد الوديعة: هذا شرط جزائي مالي على دَين مستقر في الذمة، وهو صورة من صور ربا الجاهلية المحرم شرعًا.

 

كيفية التصرف والمخارج الشرعية:

 

الاستمرار في السعي مع الشركة: محاولتك كتابة ملاحظات أو إقناعهم بوضع الأموال في مصرف إسلامي أو حساب تطهير هو واجب الوقت لـ "تغيير المنكر بقدر الاستطاعة"، وفيه أجر عظيم لمجرد السعي؛ لأنه لن يعدل عقدك فقط بل سوف يعدل عقود جميع المشاركين، وحبذا لو استطعت تجميع المتعاقدين أو عدد منهم للضغط على الشركة.

 

العزم على السداد المبكر: يجب عليك الحرص التام على سداد الوديعة في موعدها لتعطيل شرط غرامة التأخير، والنية السابقة بأن الشرط معطل مع محاولة تجنبه ترفع الإثم بإذن الله.

 

عدم إلغاء العقد: لا يُنصح بإلغاء العقد وتحمل غرامة عشرة بالمائة؛ لأن الشرع لا يأمر بإنشاء ضرر محقق وممتد كخسارة المال، لدفع ضرر شرط جزائي يمكن تعطيله بالوفاء في الموعد.

 

آراء العلماء قديمًا وحديثًا

 

بنى الفقهاء تأصيل هذه المسألة على التمييز بين العقد الشرعي والشروط الفاسدة المقترنة به، وعلى ضوابط الغرامات المالية:

 

1. تأصيل الفقهاء قديمًا في الشروط الفاسدة وغرامات الديون

 

· قرر الفقهاء أن العقد إذا تم على أركانه، واقترن به شرط محرم لا يقتضيه العقد كالربا أو الغرامة، فإن العقد يصح والشرط يُلغى ولا يترتب عليه أثره دِيانة.

 

جاء في المغني لابن قدامة: «القسم الثاني من الشروط: شروط فاسدة في نفسها لا تبطل البيع... مثل أن يشترط شرطًا يخالف مقتضى العقد الشرعي... فالشرط باطل والبيع صحيح، لقوله ﷺ: "ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط" ولم يبطل العقد الأصلي».

 

· واتفق الفقهاء على أن أي زيادة مشروطة مقابل التأخر في سداد المال هي ربا.

 

جاء في الاستذكار لابن عبد البر: «أجمع العلماء على أن ربا الجاهلية الذي نزل القرآن بتحريمه هو قائلهم للغريم إذا حل الدين: تقضي أم تربي؟ أي تزيد في المال مقابل زيادة الأجل».

 

2. آراء الهيئات والعلماء حديثًا في عقود الإذعان وودائع الصيانة

 

قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي بشأن الشرط الجزائي: في قراره رقم 109 (3/12)، فرّق المجمع تفريقًا حاسمًا بين العقود المالية وعقود الالتزامات:

 

«يجوز أن يكون الشرط الجزائي في جميع العقود المالية ما عدا العقود التي يكون الالتزام الأصلي فيها دَينًا؛ فإن هذا من الربا الصريح... وبناءً عليه فلا يجوز اشتراط غرامة مالية عند التأخر في سداد الديون أو الأقساط أو فروق الصيانة الواجبة في الذمة».

 

فتوى الهيئة الشرعية لشركة الراجحي (ومؤسسات فقهية معاصرة) في وديعة الصيانة:

 

«الأصل في وديعة الصيانة أن تُدفع بنية الأمانة المخصصة للإنفاق المباشر، فإذا نص العقد على استثمارها؛ وجب أن يكون الاستثمار في أوجه مباحة تابعة لأحكام المضاربة الإسلامية، ولا يجوز للشركة إيداعها في بنوك ربوية للاعتماد على فوائدها، وإذا أُجبر العميل على عقد موحد يتضمن ذلك دون علم منه أو قدرة على التغيير، فالعقد صحيح والشرط باطل، وعلى المشتري الإنكار بالوسائل المتاحة».

 

القواعد الفقهية الحاكمة

 

تتحكم في نازلتك عدة قواعد فقهية ترفع الحرج وتضبط طريقة التعامل مع الشركة:

 

قاعدة "المشقة تجلب التيسير" وقاعدة "الضرورات تبيح المحظورات وينزل منزلتها الحاجة الشديدة":

 

حاجتك للسكن ودخولك في العقد بناءً على فهم سابق بأن الوديعة مبلغ مخصص للصيانة المباشرة (دون علم بآلية الاستثمار الربوي)، ثم فرض غرامة عشرة بالمائة في حال الإلغاء؛ كل ذلك يمثل مشقة وحرجًا يبيح لك الاستمرار في العقد، وتصحيح المسار بالإنكار والسداد المبكر دون الحاجة لفسخ العقد وتدمير مالك.

 

قاعدة "العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني":

 

نيتك وقصدك عند توقيع بند الغرامة بأنها "عقوبة تعزيرية معطلة" وأنك عازم على السداد في الموعد حتى لا تقع، هو المقصد المعتبر شرعًا؛ فالإثم يلحق بمن رضي بالربا والتزم به، أما من وقّع مُكرهًا بـ "عقد إذعان" ونوى الوفاء لتفادي الشرط، فقصده الصدق والأمانة.

 

قاعدة "الضرر لا يُزال بالضرر":

 

إلغاء العقد الآن يترتب عليه ضرر مالي محقق وجسيم عليك وهو خسارة عشرة بالمائة من قيمة الوحدة، ودفع هذا الضرر المتوهم (وهو احتمال تطبيق شرط الغرامة أو وضع الأموال في بنك غير شرعي) لا يجوز أن يكون بإيقاع ضرر مالي أكبر وأسرع على نفسك، بل تدفع الضرر بالاستمرار والمحاولة معهم.

 

قاعدة "فاتقوا الله ما استطعتم":

 

هذا هو الضابط في التعامل مع ممثل الشركة؛ تبذل وسعك في مراسلتهم، وطلب تحويل الحساب لبنك إسلامي، وتوثيق اعتراضك؛ فإذا استجابت الشركة فبها ونعمت، وإن لم تستجب والتزمت بنظامها الموحد، فقد أديت ما عليك بإنكار المنكر بلسانك وقلمك، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

تعاقد على إعلان يلزمه مدح السلعة دون بيان عيوبها.. فما الحكم؟

كيف تتصرف بعد التوقيع على عقد؟

عقود الخيارات (Options Contracts) الماهية والحكم الفقهي

الرابط المختصر :