الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الابتلاءات والمصائب
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
6 - رقم الاستشارة : 5598
17/08/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
جزاكم الله خيرًا على ما تقدمونه من خدمة للمسلمين، وأسأل الله أن يجعلها في ميزان حسناتكم.
لدي استفسار شرعي يشغلني منذ فترة، وأرجو منكم التكرم بالإجابة عليه.
أنا فتاة أدعو الله منذ مدة أن يرزقني الزواج من شخص معين، ورغم أن الواقع بيننا ليس كما أرجو، إلا أني ما زلت أدعو وأخشى الوقوع فيما لا يرضي الله لجهلي بالحكم.
وأود معرفة:
هل يجوز الاستمرار في الدعاء بأن يكون هذا الشخص من نصيبي إذا كان مبتعدًا أو غير راغب حاليًا؟
وهل يصح أن أقول: «اللهم إن كان فيه خير لي فاكتبه من نصيبي، وإن كان شرًّا لي فاجعله خيرًا لي واجمعني به»؟
وهل كثرة الدعاء قد تكون سببًا في أن يليِّن الله قلب هذا الشخص ويغير حاله إذا كان في ذلك خير، أم أن تعلقي بهذا الأمر قد يكون مجرد أمل ووهم لا ينبغي أن أستمر فيه؟
وإذا نذرت لله عبادة أو صدقة أو صلاة إن تحقق هذا الزواج، فهل ينعقد هذا النذر؟ جزاكم الله خيرًا، وأسأل الله أن ينفع بعلمكم، وأن يرزقنا جميعًا الخير حيث كان.
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته.. مرحبًا بك يا ابنتي، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك
معنا، وعلى حرصك على ضبط عواطفك بضوابط الشرع الحنيف، أسأل الله أن يشرح صدرك،
ويهدي قلبك، وييسر أمرك، وأن يرزقك الزوج الصالح، وأن يقدر لك الخير حيث كان ثم
يرضيك به، وبعد...
فإن
مرحلة الشباب تتأجج فيها العواطف والمشاعر، وتتطلع فيها النفس إلى الاستقرار
والزواج وبناء الأسرة، وهذا أمر فطري وطبيعي ومحمود. إلا أن شريعتنا الغراء جاءت
لتهذب هذه العواطف وتنظمها، حتى لا تتحول إلى ألم نفسي أو تعلق مرهق يصرف الإنسان
عن سبيل الصواب أو يوقعه في الحرج الشرعي والنفسي.
هل
تستمرين في الدعاء بالزواج من شخص لا يرغب فيك؟
من
الناحية الشرعية، يجوز للعبد أن يدعو الله بأي أمر من أمور الدنيا المباحة، ومن
ذلك الدعاء بالزواج من شخص معين باسمه وصفته، ما لم يكن في ذلك إثم أو قطيعة رحم.
وقد جاء في الكتاب العزيز التأكيد على إطلاق باب الدعاء، قال تعالى: ﴿وَقَالَ
رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]، وعن النَّبِيَّ ﷺ أنه قَالَ:
«لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا، حَتَّى يَسْأَلَ شِعْسَ
نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ» [الترمذي].
ولكن
هناك بُعدًا دقيقًا يجب التنبه له، وهو أنه على الرغم من أن الدعاء بالزواج من شخص
معين مباح شرعًا، فإن الإلحاح والشغف الشديدين بشخص معين يظهر بعده أو عدم رغبته،
قد ينقلك من التعبد والدعاء إلى التعلُّق المرضي. فالإنسان لا يدري أين يكمن
الخير، وقد يستميت المرء في طلب شيء يكون فيه هلاكه أو شقاؤه مستقبلًا.
لذلك
يا ابنتي؛ الأفضل والأكمل ألا تحصري دعاءك في هذا الشخص فقط؛ بل فوضي الأمر لله.
ملحوظة
على الصيغة التي تدعين بها
قد
سألتِ عن قولك: «اللهم إن كان فيه خير لي فاكتبه من نصيبي، وإن كان شرًّا لي
فاجعله خيرًا لي واجمعني به».
هذه
الصيغة تنقسم إلى شقين:
الشق
الأول: «اللهم إن كان فيه خير لي فاكتبه من نصيبي»، وهذا شق مشروع وطيب، وهو
يتوافق مع روح دعاء الاستخارة النبوية التي علمنا إياها النبي ﷺ.
الشق
الثاني: «وإن كان شرًّا لي فاجعله خيرًا لي واجمعني به»، وهنا موضع ملحوظة مهمة.
فمن الأدب مع الله -عز وجل- في الدعاء ألَّا تشترطي على قدر الله أن ينتهي بكِ إلى
هذا الشخص تحديدًا؛ حتى لو كان في أصله شرًّا لك! فهذا ينافي كمال التسليم
والتفويض للرب الرحيم الذي يعلم السر وأخفى.
الله
-سبحانه وتعالى- يقول: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ
وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ
لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: 216].
إذن،
الصيغة الأفضل لك هي دعاء الاستخارة الذي علمه النبي ﷺ لنا: «إِذَا هَمَّ
أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرَكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ ثُمَّ
لِيَقُلْ: اللهُمَّ إنِّي أستَخيرُكَ بعِلمِكَ، وأستَقدِرُكَ بقُدرَتِكَ، وأسألُكَ
مِن فضلِكَ العَظيمِ؛ فإنَّكَ تَقدِرُ ولا أقدِرُ، وتَعلَمُ ولا أعلَمُ، وأنتَ
عَلَّامُ الغُيوبِ، اللهُمَّ إن كُنتَ تَعلَمُ أنَّ هذا الأمرَ خَيرٌ لي في ديني
ومعاشي وعاقِبةِ أمري -أو قال: عاجِلِ أمري وآجِلِه- فاقدُرْه لي ويَسِّرْه لي،
ثُمَّ بارِكْ لي فيه، وإن كُنتَ تَعلَمُ أنَّ هذا الأمرَ شَرٌّ لي في ديني ومعاشي
وعاقِبةِ أمري -أو قال: في عاجِلِ أمري وآجِلِه- فاصرِفْه عَنِّي واصرِفْني عنه،
واقدُرْ لي الخَيرَ حَيثُ كانَ، ثُمَّ أرضِني»، قال: «ويُسَمِّي حاجَتَه». [رواه
البخاري].
فتأملي
يا ابنتي في كلمة: «وَاصْرِفْنِي عَنْهُ»؛ أي: «يا رب إن كان شرًّا لا تصرفه عني
فقط؛ بل واصرف قلبي وعاطفتي عنه حتى لا أظل متألمة بسببه».
هل
كثرة الدعاء قد تلين قلب الشخص أم هو مجرد وهم؟
لا
شك أن الله -عز وجل- قادر على كل شيء، وقلوب العباد جميعًا بين أصابعه يقلبها كيف
يشاء. والدعاء يرد القضاء كما قال ﷺ. فالله -عز وجل- قادر على تحويل جفاء هذا
الشخص إلى مودَّة، وبعده إلى قرب إذا شاء -سبحانه- وكان في ذلك خير لك وله.
فالإلحاح
في الدعاء أمر ممدوح إذا كان مقترنًا بالرضا وحسن الظن بالله، والتسليم لأمره إن
لم يتحقق المراد. أما إذا تحول هذا الإلحاح إلى انشغال تام وتوقف لعجلة حياتك،
وانتظار للمجهول، مع إهمال واقع أن الطرف الآخر غير راغب أو غير ملتفت؛ فهنا يدخل
الإنسان في باب الوهم والتعلق المؤلم.
وفي
السيرة النبوية قصة شهيرة تُظهر لنا كيف أن المشاعر الإنسانية معتبرة، ولكن لا
ينبغي أن تقود صاحبها إلى التلف والخسران. وهي قصة مُغِيث وبَرِيرة رضي الله
عنهما. كان مغيث يحب زوجته بريرة حبًّا شديدًا، لكنها اختارت الفراق ولم ترغب في
الاستمرار معه، فكان مغيث يمشي خلفها في شوارع المدينة ودموعه تسيل على لحيته
يرجوها أن تعود إليه! فلما رأى النبي ﷺ شدة حبه لها أشفق عليه، فقال لبريرة: «لَوْ
رَجعتِ إلَيهِ؟» فقالت: يا رسول الله، تأمرني؟ قال: «إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ»،
قالت: لا حَاجةَ لي فيه! [رواه البخاري].
فتأملي
يا ابنتي: مغيث كان يحب بريرة جدًّا، ورسول الله شفع له، ولكن بريرة لم تكن لها
رغبة فيه، وانتهى الأمر عند هذا الحد، ولم يفرض الله ولا رسوله على بريرة أن تحب
مغيثًا، ولم يُهلك مغيث نفسه بالتعلق اليائس؛ بل مضت الحياة.
فإذا
كان الواقع يشير إلى بُعد هذا الشخص وعدم وجود أي مؤشرات رسمية أو شرعية لطلبه
الزواج بك، فالإصرار على الوصول لهذا الأمل الميؤوس منه قد يكون من باب شغل النفس
بما لم يُكتب لها، وفيه ضياع للوقت، وحزن للقلب.
حكم
النذر المشروط بتحقق هذا الزواج
إذا
نذرتِ لله طاعة أو عبادة ما (كصلاة ركعات، أو صيام أيام، أو صدقة بمبلغ معين) إن
تزوجت من هذا الشخص، وتحقق هذا الزواج، فإن النذر ينعقد ويجب عليك الوفاء به
فورًا، لقول النبي ﷺ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» [رواه
البخاري].
ورغم
وجوب الوفاء به إذا وقع، إلا أن ابتداء النذر المشروط نهى عنه النبي ﷺ، وَقَالَ:
«إِنَّهُ لاَ يَرُدُّ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ»
[متفق عليه]. أي أن النذر لا يغيِّر من قدر الله شيئًا، والله -تعالى- لا يُعطي
العبد لأجل النذر، بل يمنُّ بفضله. وكأن الناذر يقول لله تعالى: «لن أتقرب إليك
بهذه الطاعة أو العبادة إلا إذا أعطيتني مرادي!»، وهذا نوع من الشُّح ومشارطة
الرب، ولذا سماه ﷺ استخراجًا من البخيل.
فإذا
كنتِ قد نذرتِ فعلًا هذا النذر المعلق، فعليك الوفاء به إن تحقق الشرط. أما إن لم
تكوني قد نذرتِ بعد، فلا تنذري، وبدلًا من النذر تقرَّبي إلى الله بالصدقات
والطاعات دون شرط، وسلي الله من فضله.
مقترحات
عملية للخروج من هذه الدوامة
لكي
تخرجي من هذه الدوامة النفسية، وتعيشي حياة ملؤها الطمأنينة والرضا، أضع بين يديكِ
يا ابنتي هذه المقترحات:
1-
إعادة صياغة الدعاء: كما وضحت لك في الفقرات السابقة،
اتركي هذا الدعاء المحدد، وادعي بدعاء النبي ﷺ، وزيدي عليه: «اللهم ارزقني زوجًا
صالحًا تقيًّا نقيًّا، يحبني وأحبه، ويكرمني وأكرمه، ويكون كل منا سكنًا للآخر».
2-
قطع أسباب المتابعة والتفكير: احرصي على ألا تتابعي أخبار هذا
الشخص؛ لا في الواقع ولا على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا تسألي عنه، فإن ذلك هو
أساس تعافي قلبك وانشراح صدرك.
3-
استثمار وقتك: أنت في مقتبل العمر، وأمامك آفاق واسعة
بإذن الله. فلا تجعلي هذه المرحلة المهمة من حياتك تضيع بسبب وهم أو انتظار.
استثمري
وقتك في تطوير قدراتك العلمية أو المهارية (إكمال دراسة، دورات تدريبية، حفظ
القرآن...). وقوِّي صلتك بربك، وزيدي في بر والديك. وإن كان في الإمكان التحقي
بعمل خيري تطوعي، والتحقي بصحبة صالحة تعينك وتصبرك وتصرف اهتماماتك إلى أمور
نافعة. يقول الله عز وجل: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم
بِالْغَدَاةِ والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ
تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ولا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن
ذِكْرِنَا واتَّبَعَ هَوَاهُ وكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [سورة الكهف: 28].
4-
إعادة ضبط مفهوم القضاء والقدر: تيقَّني بأن ما كتبه الله لك
لن يمنعه أحد، وما صرفه الله عنك فلعلمه -سبحانه- بأنه ليس فيه خير لك. وقد قال ﷺ:
«واعلم أنَّ الأُمَّةَ لو اجتمعت على أن ينفعوكَ بشيءٍ لم ينفعوك إلَّا بشيءٍ قد
كتبه اللهُ لك، ولو اجتمعوا على أن يضرُّوكَ بشيءٍ لم يضروكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبه
اللهُ عليكَ».
5-
الدعاء العام والصدقة: بدلًا من النذر المشروط، داومي على قيام
الليل، وصلاة الاستخارة، والاستغفار، والصلاة على النبي ﷺ، والصدقة، فإن ذلك كله
من أعظم أسباب كشف الهموم وتيسير الزواج الطيب.
وختامًا
يا ابنتي، إن القلب ملك لله -عز وجل- وراحته في تعلقه بالخالق لا بالمخلوق.
فسلِّمي أمركِ لله، واعلمي أن اختيار الله لك خير من اختيارك لنفسك، فكم من أمنية
تمنى العبد تحققها فلما تحققت كانت سببًا في شقائه، وكم من أمر حرمه الله منه فكان
ذلك عين الرحمة واللطف.
أسأل
الله أن يشرح صدرك، وأن يفرِّج همك، وأن يملأ قلبك بحبه والأنس به، وأن يرزقك
الزوج الصالح الذي يسعدك في دينك ودنياك، وأن يكتب لكِ الخير حيثما كان ثم يرضيك
به، وصلَّ اللهم وسلِّم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
روابط
ذات صلة:
هل الدعاء بالزواج من شخص معين ينافي التوكل على الله؟