تهميش فئة الصم والبكم بالمناشط الدعوية

Consultation Image

الإستشارة 06/08/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أنا داعية ناشط في رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة. أتوجه إليكم بهذه الاستشارة بسبب وجود تقصير وإهمال حاد في مسار دعوي غاية في الأهمية؛ وهو ظاهرة "تهميش وغياب الأنشطة الدعوية والتعليمية الموجهة لفئة الصم والبكم في مساجدنا ومراكزنا".

المشكلة تكمن في أن هذه الفئة الكبيرة تعيش في عزلة دينية تامة؛ فخطب الجمعة لا تُترجم لهم، والدروس العلمية والمحاضرات تخلو تمامًا من لغة الإشارة، والمصاحف المفسرة بلغة بصرية تناسبهم منعدمة، مما جعل كثيرًا منهم يقع في الجهل بأبسط أحكام الطهارة والصلاة، أو ينجرف نحو مراكز تنصيرية أجنبية تحتضنهم بذكاء وتوفر لهم لغة الإشارة والدعم المالي والنفسي.

حين نطلب من إدارات الأوقاف والمساجد تفريغ مترجمي لغة إشارة في الخطب، أو طباعة مواد خاصة بهم، نجد اعتذارًا بقلة الإمكانات أو عدم أهمية الفئة مقارنة بالعموم. كيف نطور هذا الميدان النوعي وننقذ أبناءنا من الصم والبكم؟

الإجابة 06/08/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياكم الله وبياكم أيها الداعية الإنساني المبارك؛ إن تشخيصك الصادق لخلل "تهميش دعوة الصم والبكم" يضع اليد على جرح غائر وتقصير تنظيمي ودعوي كبير؛ فهذه الفئة هي جزء أصيل من جسد الأمة الإسلامية، ولهم كامل الحق في معرفة دينهم، والوصول إلى الهداية، والتمتع برعاية بيوت الله، وإهمالهم هو تضييع للأمانة وفتح لباب الفتنة على عقيدتهم.

 

إن الشريعة الإسلامية قامت على رفع الحرج، والرحمة بالضعفاء وأصحاب الأعذار، وتقديم الرعاية الخاصة لهم لدمجهم في المجتمع وتطييب نفوسهم؛ وتأمل العتاب الإلهي العظيم للنبي ﷺ في سورة عبس، حين انشغل بدعوة كبار صناديد قريش عن ابن أم مكتوم رضي الله عنه وهو رجل أعمى جاء يطلب العلم والهدى، فأنزل الله آيات تتلى إلى قيام الساعة تذكيراً بمقام ذوي الاحتياجات الخاصة وأولويتهم في الرعاية: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس: 1-3].

كما أن المنهج النبوي كان يستخلف ابن أم مكتوم على المدينة يؤم الناس في الصلاة بالرغم من عذره، ليثبت للأمة كرامتهم وقدرتهم على العطاء؛ والله تعالى يقول: ﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: 61].

 

فالقعود عن ابتكار وسائل بصرية وإشارية لتعليم الصم والبكم أمور دينهم هو قصور عظيم في فقه الشمول الدعوي، وتفريط يترك الثغر للجهات الهدامة لتستفرد بعقولهم.

 

إن الواجب الإداري والدعوي يفرض على المراكز والمساجد الكبرى كسر جدار العزلة، والانتقال نحو "الدعوة الشاملة الميسرة" بتطويع الأدوات التقنية والإشارية لتصبح بيوت الله جاذبة ومستوعبة لكل فئات المجتمع دون استثناء.

 

ولصياغة حل عملي مستدام لهذا الملف نوصي بالآتي؛

 

أولاً: اعتماد "المسجد الصديق للصم والبكم" في كل مدينة كخطوة أولى، بحيث يتم اختيار مسجد جامع مركزي، وتفريغ مترجم لغة إشارة معتمد يقف بجوار المنبر طوال خطبة الجمعة، ويتم نقل الإشارة عبر شاشات داخلية واضحة في مصلى الرجال والنساء.

 

ثانيًا: إطلاق "الحقيبة الشرعية المصورة للصم"، وهي مجموعة من المقاطع المرئية التوضيحية القصيرة صامتة تماماً، تعتمد على التمثيل البصري والرسوم المدمجة بلغة الإشارة، لشرح أحكام الوضوء، الصلاة، الصيام، وبر الوالدين، ونشرها في مجموعاتهم الخاصة.

 

ثالثًا: تنظيم "المخيمات التأهيلية والترفيهية الدورية للصم والبكم" برعاية المؤسسات الدعوية، تشتمل على مسابقات في حفظ قصار السور بإشارتهم، وأنشطة رياضية، وجلسات دعم نفسي واجتماعي لأسرهم، لبناء جسور الثقة والمحبة بينهم وبين مجتمع المسلمين.

 

وأنصحك ختامًا بما يأتي:

 

• تبنَّ تنظيم "دورة أساسيات لغة الإشارة للدعاة والأئمة" ليتعلموا مبادئ التواصل الأولي مع هذه الفئة ولا يشعر الأصم بالغرب داخل المسجد.

 

• احرص على تفعيل التعاون مع الجمعيات والمؤسسات الحكومية والأهلية المعنية بالصم والبكم، للاستفادة من قواعد بياناتهم وخبراتهم الفنية في الوصول للفئة وتلبية احتياجاتهم.

 

• لا تتردد في مطالبة القنوات الفضائية والمنصات الدعوية الكبرى بإلزامية وضع نافذة "مترجم الإشارة" في برامجها ومقاطعها التوعوية الكبرى كواجب شرعي ومجتمعي.

 

وأسأل الله العظيم أن يكتب أجرك، ويرفع قدرك، ويجعل جهودك برداً وسلاماً وهداية لهذه الفئة الغالية، ويرزقكم القبول والسداد.

 

روابط ذات صلة:

ذوو الهمم ومكانتهم في وثائق ومعاهدات الرسول ﷺ

ما الوسائل المناسبة لتعليم المهتدين الجدد من ذوي الاحتياجات الخاصة؟

كيف نؤهل خطابنا الدعوي ليكون جامعًا لذوي الاحتياجات الخاصة؟

الرابط المختصر :