جوائز وسحوبات عروض الترويج هدايا أم قمار؟

Consultation Image

الإستشارة 16/07/2026

تقوم بعض الشركات من باب الترويج وزيادة المبيعات بعمل عرض للدخول في سحب على سيارة مثلا او مبلغ مالي لكل من يشتري بمبلغ معين، ٥ الاف مثلا او أكثر، والعملاء نوعان، نوع لم يكن يخطط للشراء بهذا المبلغ ولكن طمعا في فرصة السحب وقيمة الهدية يقرر شراء بضائع يحتاج بعضها ولا يحتاج البعض الآخر، فقط رغبة في دخول السحب، والنوع الثاني يكون بالفعل في حاجة الى بضائع من هذا المكان ربما تزيد عن الحد الأدنى، فما حكم هذه المعاملة بالنسبة لنوعي العملاء؟

الإجابة 16/07/2026

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، واعلم حفظك الله ورعاك، الأصل في المعاملات المالية والتجارية هو الحل والإباحة، ما لم يداخلها غش، أو غرر، أو ضرر، أو أكل لأموال الناس بالباطل. وفي العصر الحالي، استحدثت الشركات والمؤسسات التجارية أساليب دعائية متطورة لتنشيط مبيعاتها وترويج سلعها، ومن أبرزها تقديم جوائز للمشترين لحثهم على الشراء. ولما كان الأصل الشرعي والاقتصادي في شراء السلع أن يكون وسيلة لسد حاجات الإنسان الحقيقية لا غاية في ذاته، فإن قلب هذه المفاهيم جعل بعض المستهلكين يقبلون على الشراء دون حاجة، طمعًا في الجوائز؛ مما استدعى بيانًا فقهيًّا مفصلاً يفرز المقبول شرعًا من الممنوع في هذه المعاملات المعاصرة.

 

اختصارًا:

 

الخلاصة الفقهية المعتمدة والمختارة للإفتاء في هذه المسألة هي التفريق بين نوعين من الجوائز الترويجية:

 

النوع الأول الجوائز البسيطة المضمونة: مثل تقديم قطعة مجانية عند شراء عدد معين، أو هدية صغيرة مصاحبة لسلعة كبرى، وحكمها الجواز؛ لأن الشراء فيه هو المقصد الأساسي والجائزة تابعة له تُرغب فيه.

 

النوع الثاني الجوائز الضخمة القائمة على القرعة والسحب: مثل رصد سيارة أو شقة لمن يشتري بمبلغ محدد، وحكمها المنع والتحريم؛ لأن الجائزة تتحول فيه إلى هدف أصيل والشراء مجرد وسيلة، مما يدخل المعاملة في دائرة الغرر، والمقامرة، والإسراف، والإضرار بصغار التجار.

 

وتفصيلاً:

 

انقسمت أنظار الفقهاء المعاصرين في تكييف وتخريج حكم هذه الجوائز الترويجية إلى رأيين رئيسيين:

 

الرأي الأول: المنع مطلقًا

 

ذهب فريق من العلماء المعاصرين إلى تحريم هذه الجوائز بجميع صورها سواء أكانت صغيرة أم كبيرة؛ وعِلّتهم في ذلك أنها تؤدي إلى إشاعة ثقافة الاستهلاك المفرط بين المواطنين، وتدفع الناس نحو السَّرَف والتبذير لشراء ما لا يحتاجونه لمجرد الطمع في الجائزة. واستدلوا بالنصوص القرآنية الناهية عن الإسراف والتبذير، ومنها:

 

قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف: 31).

 

قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ (الإسراء: 26-27).

 

الرأي الثاني: التفصيل بين الجوائز البسيطة والضخمة وهو الرأي الراجح والمختار

 

وهو ما ذهب إليه الأستاذ مصطفى الزرقا -رحمه الله- وأيده فيه فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي -رحمه الله- وغيرهما من المحققين؛ حيث أباحوا الجوائز البسيطة المضمونة، وحرموا الجوائز الكبرى القائمة على الحظ والقرعة، مستندين في منع الجوائز الضخمة إلى خمس حِجج موثقة:

 

اشتمالها على الغرر وشبهة القمار: فالعميل يدفع ماله مائة أو ألفًا أو أكثر بغرض الحصول على هذه الجائزة الكبرى، وهو متردد بين أن يحصل عليها أو يُحرم منها، وعقود المعاوضات المالية لا تقبل مثل هذا الغرر والجهالة الفاحشة.

 

زيادة الأسعار وظلم المستهلك: في الغالب يعمد التجار إلى تحميل ثمن هذه الجوائز الضخمة على أصل سعر السلعة، فيثقلون كاهل المستهلكين بالشراء بثمن أكبر، ويقع الظلم المالي على الغالبية الساحقة التي لم تفز بالجائزة.

 

إشعال البغضاء والعداوة في المجتمع: حرمان الأكثرية وفوز فرد أو أفراد قليلين بجوائز ضخمة دون كدّ أو عناء يورث الحقد والضغينة في قلوب الناس ويضرب السلم المجتمعي.

 

تنمية روح التبذير والسرف: إذا كانت الجوائز الصغيرة تدعو للاستهلاك المذموم، فإن الجوائز الكبرى الضخمة تدفع الناس للسفه المالي وإضاعة الأموال في شراء ما لا يحتاجونه رغبةً في وهم السحب بطريق أولى وأشد.

 

الإضرار بصغار التجار وتكريس الاحتكار: هذا الأسلوب الدعائي الضخم لا يقوى عليه إلا كبار التجار، مما يحرم صغار التجار من القدرة على المنافسة العادلة، ويؤدي إلى كساد تجارتهم وضياعهم، ومن ثم استيلاء الكبار على السوق واحتكارها.

 

القواعد الفقهية الحاكمة

 

تنضبط أحكام هذه النازلة وتوجيهها الفقهي وفق القواعد الكبرى التالية:

 

قاعدة: «الأمور بمقاصدها»

 

النية في الشراء هي الفيصل؛ فإن كان القصد السلعة والانتفاع بها كما في النوع الأول فالأمر مشروع، وإن انقلب القصد إلى الجائزة الكبرى وصار الشراء صوريًّا وغير محتاج إليه كما في النوع الثاني دخلت المعاملة في دائرة الحظر لأن المقصد صار مقامرة.

 

قاعدة: «التابع تابع» و«يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في غيرها»

 

تنطبق على الجوائز البسيطة المضمونة؛ فالهدايا الصغيرة أو القطع المجانية جاءت تابعة لعقد البيع الأساسي المقصود نافعًا، والتابع لا يُفرد بحكم مستقل بل يجري مجرى أصله المباح.

 

قاعدة: «لا ضرر ولا ضرار»

 

تظهر في منع الجوائز الضخمة؛ لما تلحقه من ضرر اقتصادي مباشر بصغار التجار يهدد بقاءهم في السوق، وضرر يلحق بعموم المستهلكين عبر رفع أسعار السلع لتغطية تكلفة الجائزة، فضلاً عن الضرر الأخلاقي بنشر الحقد والبغضاء.

 

قاعدة: «النهي عن إضاعة المال»

 

إن إنفاق الأموال في شراء سلع لا نفع للمكلف بها ولا حاجة له فيها، لمجرد الدخول في سحب غير مضمون، يندرج عقلاً وشرعًا تحت مظلة السفه المنهي عنه في حفظ الأموال ورعايتها. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

عملي يتضمن الترويج لخدمات "اشتر وادفع لاحقًا".. فهل أنا آثم؟

التربح من منتجات الذكاء الاصطناعي.. ضوابط الحل والحرمة

هدايا الشركات والمعامل للأطباء باب فساد أم ترويج مشروع؟

عمولات الترويج للصيادلة ما يحل منها وما يحرم

الرابط المختصر :