حاج الـ«VIP» هل يضيع منه ثواب «شُعثًا غُبرًا»؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : روح العبادات
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 100
  • رقم الاستشارة : 4780
09/05/2026

تحية طيبة.. رزقني الله سعة في المال، وحجزت في حملة حج توفر أرقى الخدمات (فنادق فخمة وأماكن إقامة في المناسك قريبة جدًا ومجهزة، طعام فاخر، وسائل نقل مريحة).

أشعر بالقلق من أن هذه الرفاهية قد تسلبني الانكسار والخشوع لله في الحج، وثواب الجهد الذي كان يعيشه السلف.

فهل الراحة الجسدية والرفاهية خلال أداء مناسك الحج تمنع نيل الثواب الكامل؟

وكيف أجد قلبي وأخشع وأشعر بالإيمان والطمأنينة للقبول في ظل هذه الرفاهية؟

وكيف أنال ثواب «شعثا غبرا» الذي ورد في الحديث، وأنا أعيش في هذه الظروف المريحة؟

الإجابة 09/05/2026

مرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على تواصلك معنا، وأسأل الله أن يبارك في عمرك ومالك، وأن يتقبل منك نيتك، وأن ييسر لك حجك، وأن يجعله حجًّا مبرورًا وأن يجعل سعيك مشكورًا وذنبك مغفورًا، وأن يرزقك في سفرك هذا حلاوة الإيمان والطمأنينة، وبعد...

 

نستعين بنعم الله على طاعته

 

فإنَّ قلقك من الرفاهية في الحج هو دليل على استشعارك لعظمة هذه الشعيرة؛ فالحج في أذهاننا مرتبط دائمًا بالمشقة والتعب؛ لكن من القواعد المقررة في شرعنا أنَّ الاستعانة بنعم الله على طاعته هي نوع من الشكر لهذه النعم. فالله -تعالى- حين وسَّع عليك في الرزق، أراد أن يرى أثر نعمته عليك في أعظم رحلات حياتك، والمهم هو ألا تتحول هذه «الوسائل» المريحة إلى «غايات» تشغلك عن المقصد الأسمى، وهو الله سبحانه وتعالى.

 

هل الرفاهية والراحة تمنع نيل الثواب الكامل؟

 

إجابتي المباشرة لك، هي: لا تمنع بإذن الله. فالثواب في الحج لا يرتكز حصرًا على حجم التعب الجسدي والمشقة؛ بل على الإخلاص واتباع السنة ونقاء القلب.

 

فالمشقة -أخي الحبيب- ليست مقصودة لذاتها. فالقاعدة الفقهية تقول إنَّ «المشقة تجلب التيسير»، والدين الإسلامي لم يشرِّع العبادات لتعذيب الأبدان؛ بل لتهذيب الأرواح. قال الله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ ولَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ولِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 6]. فإذا توفَّرت الراحة التي تعينك على التركيز في الدعاء والذِّكر، والقيام بالمناسك على وجهها الصحيح بقلب حاضر متفرِّغ لها، بدل الانشغال بآلام الجسد أو شدة الجهد، ومعاناة الزحام والحر والجوع والعطش، فهذا عونٌ من الله لك، لا شك في ذلك.

 

كما أن النفقة في الحج يخلف الله على صاحبها، فهي نفقة في سبيل الله، والدرهم فيها بسبعمائة ضعف. فما تدفعه لتأمين سبل الراحة لنفسك ولأهلك لتؤدوا العبادة في أكمل صورة هو نفقة مأجورة بإذن الله.

 

ولقد حجَّ عثمان بن عفان -رضي الله عنه- في خلافته بظروف مريحة قياسًا لزمانهم، وكان يُحمَل له الطعام والماء الوفير ليطعم الناس ويواسي الغرباء، ولم يُنقِص ذلك من قدر فضله. فالعبرة هي أنَّ «أفضل الحج العجُّ والثجُّ» [رواه الترمذي]، أي رفع الصوت بالتلبية، وإراقة دماء الهدي، وكلاهما يتحقق مع الغني والفقير.

 

كيف تجد قلبك وتخشع في ظل الرفاهية؟

 

إنَّ الخشوع عمل قلبي ينفصل عن جودة الفراش ونوع الطعام. وإليك خطوات عملية لتحقيق ذلك:

 

1- استشعار الافتقار لله: قبل أن تدخل الفندق الفخم، تذكر أنك داخل إليه بصفة «العبد» لا «السائح». وقل في نفسك: «يا رب، هذا من فضلك، لا من حولي ولا قوتي». وتذكَّر أنك تلبس الرداء الأبيض نفسه الذي يلبسه أفقر حاج في المخيمات البسيطة، فهذا التوحد في المظهر يكسر كبرياء النفس إلى حد بعيد.

 

2- اعزل قلبك عن محيطك: اجعل لنفسك وقتًا (ولو في غرفتك الفاخرة) تعتزل فيه الناس والرفاهية، وتختلي بمصحفك وسجادتك. وأثناء وجودك مع الرفقة، لا تجعل الحديث عن جودة الطعام، أو مستوى الخدمات، أو ما تنوون شراءه، أو ما يقع من أحداث... إلخ، هو ما يشغل مجالسكم، بل حوِّل المجالس إلى ذِكر ومذاكرة في سيرة النبي ﷺ، وفيما علمنا إياه من فقه المناسك.

 

3- التأمل في الأعمال: عند الطواف والسعي والرمي، تذكَّر أقدام النبي ﷺ التي شرفت هذه البقاع، وصبر السيدة هاجر في هذا الوادي عندما كان موحشًا غير مأهول. حينها ستشعر أنَّ الراحة الجسدية التي تعيشها هي محض فضل من الله يستوجب منك حياءً شديدًا وانكسارًا أعظم. فالانكسار الحقيقي هو أن تشعر بفقرك إلى الله وأنت تملك كل شيء.

 

كيف تنال ثواب «شعثًا غبرًا»؟

 

الحديث الشريف الذي أشرتَ إليه، رواه أحمد وابن حبان والحاكم، من حديث أبي هريرة مرفوعًا للنبي ﷺ، بلفظ: «إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء، فيقول لهم: انظروا إلى عبادي، جاؤوني شعثًا غبرًا». ورواه ابن خزيمة، وابن حبان، والبزار، وأبو يعلى، والبيهقي، من حديث جابر مرفوعًا أيضًا للنبي ﷺ، بلفظ: «ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة، ينـزل الله -تعالى- إلى سماء الدنيا، فيباهي بأهل الأرض أهل السماء، فيقول: انظروا إلى عبادي، جاؤوني شعثًا غبرًا ضاحين، جاؤوا من كل فج عميق، يرجون رحمتي، ولم يروا عقابي. فلم يُرَ يومًا أكثر عتقًا من النار، من يوم عرفة».

 

وهذا الحديث له دلالات عميقة تتجاوز المعنى الظاهري للشَّعث (تفرُّق الشعر وتلبُّده) والغُبرة (التلوث بالغبار)، ومن هذه الدلالات: إظهار العبودية، والذل، والانكسار بين يدي الله تعالى، ليس -فقط- بترك الترف والزينة والمظاهر الدنيوية، مع ملاحظة أن هذه الحالة ليست مقصودة ولا ممدوحة لذاتها؛ بل تعني انشغال العبد عن هذه المظاهر وانصرافه عنها ليكون جُل همه قبول عبادته، بأن يكون كل همه أن يلم شعث أفكار قلبه وهمومه، وأن ينظفه من غبار الكبر والمعصية، فإن فعلت هذا -أخي الكريم- فقد وقفت على مقصود الحج وغايته، ونلت الثواب الموعود.

 

كما أن المُحرِم ممنوع من الطِّيب وقص الشعر وتغطيته بملاصق له حال إحرامه، فبمجرد التزامك بمحظورات الإحرام، فأنت شرعًا في حالة شعث، حتى وإن كنت في بيئة نظيفة. فترك الزينة المعتادة هو في ذاته انكسار وتجرد لله.

 

وأنصحك أخي للخروج من هذا الشعور بألا تحبس نفسك في مظاهر الرفاهية في الحج؛ بل انزل إلى الطواف مع عامة الناس، زاحم الأكتاف بأدب، واستشعر حرارة الزحام ولو لبرهة، وإن استطعت فوزِّع الصدقات والماء والطعام على الحجاج الذين لم يجدوا ما وجدتَ. هذا الاختلاط سيجعلك تشعر بوحدة الأمة، ويمنحك الخشوع الذي تخشى فقده.

 

وفي يوم عرفة وأيام التشريق، اخرج من خيمتك المكيفة المزودة بما لذ وطاب، ولو لبعض الوقت، وقِف في مكان لا يحجبك عن السماء ولو قليلًا، واستشعر ذلَّ الموقف بين يدي الله، وتوجه إليه بالدعاء الخاشع، بعيدًا عن مظاهر الأبهة والرفاهية التي قد تشغل القلب وتحجبه.

وختامًا أخي الكريم، إنَّ الرفاهية في الحج هي اختبار للشكر، كما أنَّ المشقة هي اختبار للصبر. فكن شاكرًا بقلبك، مسخرًا راحتك الجسدية في إطالة السجود والذكر والدعاء، ولا تجعل الشيطان يدخل إليك من باب جلد الذات ليفسد عليك فرحتك بفضل الله. تذكر قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58].

 

أسأل الله -تعالى- أن يرزقك حجًّا تدمع فيه عينك خشيةً، ويطمئن فيه قلبك ذِكرًا، وأن يجعلك من الذين يناديهم المنادي في ختام رحلتهم: «ارجعوا مغفورًا لكم». تقبل الله منك صالح أعمالك، ويسَّر لك سبل الخير حيثما كنت.

 

روابط ذات صلة:

حكم الحج ومكانته في الإسلام

الرابط المختصر :