الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : علوم القرآن والحديث
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
520 - رقم الاستشارة : 3960
28/01/2026
هل هناك حديث صحيح يقول إن شر الرعاة الحطمة ، وما معناه؟
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فهذا الحديث صحيح، رواه الإمام مسلم – رحمه الله – بسنده عن عائذ بن عمرو -وكان من أصحاب رسول الله ﷺ دخل على عبيد الله بن زياد، فقال: أي بني، إني سمعت رسول ﷺ يقول: إن شر الرعاء الحطمة، فإياك أن تكون منهم، فقال له: اجلس؛ فإنما أنت من نخالة أصحاب محمد ﷺ فقال: وهل كانت لهم نخالة؟! إنما كانت النخالة بعدهم، وفي غيرهم.
ومعنى الحطمة الذين يظلمون الناس ولا يرفقون بهم.
جاء في موقع الدرر السنية:
في هذا الحديث يروي التابعي الحسن البصري أن الصحابي عائذ بن عمرو رضي الله عنه دخل على عبيد الله بن زياد، وكان واليًا وأميرًا من الأمراء، وكأنه عرف فيه ظلمًا، فذهب إليه هذا الصحابي عائذ بن عمرو رضي الله عنه ينصحه ويعظه، فقال رضي الله عنه: «أي بني»، وهذا من التودد إليه وملاطفته حتى يمهد للنصيحة، «إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن شر الرعاء» جمع راع، وهو الوالي، «الحطمة» وهو من يظلم الرعية ولا يرحمهم؛ فهو يقسو ويشتد على رعيته، مبتعدًا عن الرفق والحكمة فيهم، ثم قال عائذ رضي الله عنه لعبيد الله: «فإياك أن تكون منهم»، أي: أحذرك أن تكون من هؤلاء الحطمة.
فقال له عبيد الله: «اجلس»، ولعله كان قائمًا حينما وعظه، «فإنما أنت من نخالة أصحاب محمد ﷺ ، أي: أنت من سفلة أصحاب رسول الله ﷺ ولست من فضلائهم وخيارهم، والنخالة: ما يبقى من قشور الحنطة وغيرها بعد غربلة الدقيق؛ أراد بذلك تنقيصه، وذمه، وتصغيره، وهذه جراءة واعتداء على أصحاب النبي ﷺ.
فقال عائذ رضي الله عنه ردًّا لقول زياد: «وهل كانت لهم نخالة؟!» وهذا الاستفهام إنكاري؛ أي: ليست فيهم نخالة أصلاً، «إنما النخالة بعدهم وفي غيرهم» أي: إنما جاء السقط والسفلة فيمن بعد الصحابة، وبعد موتهم وانقطاع آثارهم، وهذا من جزيل الكلام وفصيحه، وصدقه الذي ينقاد له كل مسلم؛ فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا صفوة الأمة وسادات الناس، وأفضل ممن بعدهم، وكلهم عدول قدوة.
تنبيه وبيان في الحديث
وفي الحديث: التنبيه لولاة الأمور على السعي في مصالح الرعية، والجهد في دفع ضررهم وما يشق عليهم من قول أو فعل، وعدم الغفلة عن أحوالهم.
وفيه: بيان أنه ينبغي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن كان المأمور رئيس القوم وأميرهم يخاف بأسه؛ لأن هذا من الجهاد في سبيل الله عز وجل.أ, هـ بتصرف يسير.
الدروس المستفادة من الحديث:
أولاً: شجاعة الصحابة في قول الحق: نرى في موقف عائذ بن عمرو رضي الله عنه مثالاً للشجاعة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث لم يتردد في نصيحة الأمير وتذكيره بحديث النبي ﷺ مباشرة، وهذا تطبيق لقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 104).
ثانيًا: الرفق في الرعاية والولاية هو الأصل: الحديث النبوي يؤسس لمبدأ عظيم في الإسلام، وهو أن القيادة والمسؤولية، سواء أكانت على مستوى الدولة أم الأسرة أم العمل، أساسها الرفق والرحمة لا العنف والشدة. فالقائد الناجح هو الذي يرعى من تحت يده بلطف وحكمة، لا بقسوة وغلظة.
ثالثًا: فضل ومكانة صحابة رسول الله ﷺ: الدرس الأبرز هو ما قرره عائذ بن عمرو رضي الله عنه. فجيل الصحابة هو خير الأجيال بشهادة النبي ﷺ. كلهم عدول، وكلهم ذوو فضل ومكانة. قد يتفاوتون في مراتبهم وفضلهم، فهناك السابقون الأولون وأهل بدر وأهل بيعة الرضوان، ولكن ليس فيهم من يمكن أن يوصف بأنه "نخالة" أو لا قيمة له. فمجرد شرف الصحبة للنبي ﷺ يرفع قدرهم جميعًا.
رابعًا: خطر الكبر ورفض النصيحة: في رد عبيد الله بن زياد درس في خطورة الكبر الذي يمنع الإنسان من قبول الحق. بدلًا من أن يشكر الناصح ويستفيد من تذكيره، لجأ إلى تحقيره والتقليل من شأنه، وهذا من صفات المتكبرين التي حذّر منها الإسلام. قال رسول الله ﷺ: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر" (رواه مسلم).
خامسًا: الحكمة في الرد والدفاع عن الحق: رد عائذ بن عمرو لم يكن سبًا أو شتمًا، بل كان ردًا علميًّا منهجيًّا يضع الأمور في نصابها. لقد دافع عن جيل الصحابة كلهم، وبيّن أن هذا الوصف لا يمكن أن ينطبق عليهم، وإنما ظهر من يستحق هذا الوصف في الأجيال التي أتت بعدهم.
والله تعالى أعلى وأعلم
روابط ذات صلة:
المنهج الراشدي في التعامل مع الولاة والعمال.. عثمان بن عفان نموذجاً