رعاية المسنين في الحضارة الإسلامية.. نموذج للرحمة

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : تاريخ وحضارة
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 9
  • رقم الاستشارة : 5226
01/07/2026

مع تزايد أعداد المسنين في المجتمعات هل قدمت الحضارة الإسلامية قدرًا من الرعاية والاحترام للمسنين؟ وكيف قامت برعايتهم في إطار تجربتها التاريخية؟

الإجابة 01/07/2026

أخي الكريم، الحضارة الإسلامية حضارة إنسانية ورحيمة، ومن مجالات رحمتها العناية بالمسنين، هؤلاء الذين يتعرض بعضهم للإهمال أو قسوة، فبسطت لهم الحضارة رعايتها من خلال النصوص التأسيسية، ومن خلال الأوقاف الخيرية، ورعاية الدولة لهم على مر العصور.

 

صعوبات المسنين

 

تؤكد الدراسات أن "الشيخوخة مشكلة اجتماعية قبل أن تكون مشكلة صحية أو بيولوجية؛ فالصعوبات والتعقيدات التي يواجهها كبار السن ناجمة أساسًا عن الوضع الاجتماعي الذي يعكس أفكار ومواقف الناس والمجتمع حيال الشيخوخة والمسنين"؛ فانحسار دائرة العلاقات الاجتماعية للمسنين، وفقدانهم لدورهم في الحياة، كان من الأسباب وراء تعرضهم لقلة الاهتمام.

 

لذا كانت الرؤية الحضارية الإسلامية حريصة على معالجة هذا الخلل من خلال حث المجتمع على احترام الكبير وتوقيره، وتلك رؤية متقدمة تراعي البعد النفسي في التعامل مع المسنين، وهو احترام يضفي على حياتهم معنى، ولعل الدراسات النفسية الحديث في الشيخوخة تؤكد على هذا المسلك الذي دعت إليه القيم الإسلامية منذ قرون طويلة؛ فالاحترام والتوقير يخفف حدة الألم النفسي الذي يسيطر على المسنين بأن دورهم في الحياة قد انتهى، وأن برودة العلاقات الإنسانية والاجتماعية هي ما يسبق برودة الموت القادم.

 

من روائع الحضارة الإسلامية

 

وقد جسّد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، المعنى العظيم في احترام المسنين، عندما رأى يهوديًّا طاعنًا في السن يسأل الناس، فأعطاه هو ومن هم أمثاله من بيت المسلمين ما يحول بينهم وبين سؤال الناس، أي أن الدولة تحملت كُلفة رعاية المسنين من مواردها الخاصة رعاية لهم وصونًا لهم.

 

تذكر كتب التاريخ الإسلامي أن الخليفة عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- قرر أن الذمي (من اليهود والنصارى الذين كانوا يقيمون في أرض الإسلام) إذا كبر ولم يكن له مال ولا حميم ينفق عليه، فإن نفقته من بيت مال المسلمين، وقد كتب إلى عدي بن أرطاة الفزاري وكان واليًا على البصرة، رسالة من عيون تراث الحضارة الإسلامية في هذا الشأن، قال فيها: "فانظر أهل الذمة وارفق بهم، وإذا كبر الرجل منهم وليس له مال فأنفق عليه".

 

كان للمسنين نصيب كبير من اهتمام الخلفاء العباسيين الذين وفروا لهم كل أسباب العناية، في دراستها "رعاية المسنين في التراث الإسلامي: العصور العباسي نموذجًا" تحدثت الدكتورة "أحلام محسن حسين" عن نموذج من رعاية الحضارة الإسلامية للمسنين، فذكرت أنه في عهد الخليفة المأمون (المتوفى 227هـ) تم إنشاء بيوت خاصة لرعاية المسنين، لا سيما من كان منهم مصابًا بأمراض مُعدية، وقامت أم الخليفة المقتدر بالله (ت321هـ) بفتح بيمارستان لتقديم الخدمات والرعاية الطبية للمسنين وغيرهم.

 

وكذلك الوزير أبو الحسن علي بن عيسى الجراح في عام (302هـ) أنشأ بيمارستان في بغداد، قدّم إليه الرعاية وما يحتاج إليه المرضى والمسنون من أدوية، وكان العباسيون يضعون الشروط التي تناسب نفسية المسنين عند بناء المستشفيات، كأن تكون في أماكن نقية الهواء أو قريبة من المسجد.

 

أخي الكريم، الأهم الذي جاءت به الحضارة الإسلامية هي رفع المستوى الإنساني في التعامل مع المسنين، وتنبيه المجتمع بحاجاتهم وضرورة تلبيتها، فكفلت لهم الاحترام والتوقير، والتكافل الاجتماعي والرعاية، وسعت إلى عدم انسحابهم من المجتمع تحت ضغوط انتهاء دورهم من الحياة، ولم ترَ فيهم عبئًا على المجتمع، ولكن رأتهم ذخرًا للمجتمع.

 

موضوعات ذات صلة:

الشيخوخة لماذا يصر الإنسان المعاصر على مقاومتها؟

الشيخوخة وأزمة الفكر المادي

الرابط المختصر :