الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
68 - رقم الاستشارة : 4717
04/05/2026
أنا إنسانة ابتلاني الله بطبعٍ في صوتي، فهو مرتفع بطبيعته، وأحاول جاهدة ضبطه وخفضه، لكنني أفشل في كل مرة وأشعر بالعجز عن تغييره بشكل كامل. وقد قرأت قصة الصحابي ثابت بن قيس رضي الله عنه، الذي كان جهير الصوت، وخاف أن يكون من أهل النار بسبب ارتفاع صوته عند النبي ﷺ، فاعتزل الناس حزنًا، حتى بشّره النبي ﷺ بأنه من أهل الجنة. وسؤالي: ما مدى صحة الاستدلال بهذه القصة على حالتي؟ وهل يُعذر الإنسان إذا كان ارتفاع صوته طبعًا فيه وليس بقصد سوء الأدب؟ وهل يُؤاخذ شرعًا على أمرٍ خارج عن إرادته رغم محاولته المستمرة لضبط نفسه؟ أرجو توجيهي ونصحي بما يعينني على التعامل مع هذه المشكلة
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً
وسهلا بكِ أختنا الفاضلة. إن شعوركِ بالقلق تجاه هذا الأمر ورغبتكِ في الاقتداء
بالصحابة الكرام في ورعهم هو دليل على طيب أصلكِ وحرصكِ على الأدب مع الله وخلقه.
ولا داعي للانزعاج أو الشعور بالذنب تجاه أمر جبلتِ عليه، فالدين يسر.
اختصارًا: استدلالك
بقصة الصحابي ثابت بن قيس رضي الله عنه في حالتكِ صحيح ومشروع، فنعم
القدوة أصحاب النبي ﷺ،
فهي الأصل الفقهي لكل من كان صوته جهيرًا بطبعه. الإنسان يُعذر شرعًا في
الخصال الجبلّية (الفطرية) التي لا يد له فيها، ولا يؤاخذ على ارتفاع صوته ما دام
نابعًا من طبيعته لا من قصد الاستعلاء أو سوء الأدب. ومحاولتكِ المستمرة لضبطه هي
جهاد نفس تُؤجرين عليه، والعجز عن التغيير الكامل بعد المحذرة والجهد يسقط عنه
التكليف والإثم.
القواعد
الفقهية الحاكمة:
1. قاعدة
لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها: وهي قاعدة قرآنية محكمة؛ فالتكليف الشرعي مرتبط
بالقدرة، وما خرج عن إرادة الإنسان وطاقته (كالطبع البشري) لا يدخل في دائرة
الحساب والعقاب.
2. قاعدة
المشقة تجلب التيسير: فإذا كان خفض الصوت لدرجة الهمس يشكل مشقة دائمة عليكِ
لكونه ضد طبيعتكِ، فإن الشرع ييسر عليكِ ويكتفي منكِ بالقدر المستطاع من الضبط.
3. قاعدة
الأمور بمقاصدها: الإثم
في رفع الصوت مرتبط بالنية؛ فإذا كان الرفع للاستهزاء أو الإيذاء أو التكبر فهو
محرم، أما إذا كان مجرد آلة للتحدث دون قصد سيئ، فلا إثم فيه.
أقوال
العلماء شراح الحديث:
*
الإمام النووي (في شرح صحيح مسلم): أشار عند حديثه عن قصة ثابت بن
قيس إلى أن الصحابي خشي أن يكون عمله قد حبط لأنه كان يرفع صوته، ولكن النبي ﷺ
بيّن له أن المحبط للأعمال هو رفع الصوت على سبيل الاستعلاء أو قلة الأدب مع مقام
النبوة. وأوضح النووي أن ما كان من جبلّة الإنسان أي فطرته التي خلقه الله عليها
لا يُذمّ صاحبه عليه، طالما أنه لا يقصد به سوءًا.
*
الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري: ذكر أن النهي
الوارد في الآية: {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ}، كان
موجهًا لمن يتعمد ذلك، أما من كان صوته مرتفعًا بطبيعته فقد عُذر. وأكد أن ثابت بن
قيس لم يتغير صوته بعد الآية، بل ظل جهوريًّا، ومع ذلك شهد له النبي ﷺ بالجنة، مما
يدل على أن العبرة بالمقاصد لا بالوسائل.
*
العلامة ابن عثيمين: في
تفسيره لآداب التعامل، ذكر أن الإنسان قد يُبتلى بحدة في الصوت أو غلظة في النبرة،
وأنه لا يُطالب شرعًا بغير ما يستطيع فإذا حاول خفض صوته وبقي فيه شيء من
الارتفاع، فإنه يدخل في باب العفو؛ لأن الله لا يكلف نفسًا إلا ما آتاها.
*
علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: ذهبوا
إلى أن الأخلاق والطبائع تنقسم إلى وهبيّة هبة من الله تعالى، وكسبيّة يكتسبها
ويتعلمها الإنسان. فما كان وهبيًا كالنبرة والصوت، فصاحبه مأجور على محاولة
تهذيبه، وغير غير آثم على بقاء أصله فيه، بل إن صبر الإنسان على طبعٍ يحرجه ويحاول
ضبطه يُعد من الصبر على الابتلاء.
الخلاصة:
اتفق
العلماء على أن الصفة الخَلقِية التي لا اختيار
للإنسان فيها لا تتعلق بها الأحكام التكليفية من حيث الإثم والعقاب، وإنما يتعلق
التكليف بـ كيفية استخدامها.
*
فإذا استخدمتِ صوتكِ المرتفع في الحق، أو في التعليم، أو كان يخرج منكِ عفوًا في
الحديث، فلا كراهة ولا تحريم.
*
أما إذا استُخدم الصوت المرتفع للترهيب، أو السخرية، أو في مواطن يُطلب فيها
الهدوء التام مع القدرة على الصمت، فهنا يُندب للمرء المجاهدة.
وعليك
أختنا أن تتبعي النصائح التالية:
*
الطمأنينة النفسية: تذكري أن النبي ﷺ لم يطلب من ثابت بن قيس
تغيير صوته، بل بشّره بالجنة وبأنه يعيش حميدًا ويقتل شهيدًا، وهذا يعني أن طبيعته
لم تكن عائقًا أمام كمال إيمانه.
*
التنبيه اللطيف: في مجالس العلم أو اللقاءات الاجتماعية، يمكنكِ بكلمة
بسيطة ومبتسمة أن تقولي لمن حولكِ: أعتذر إن كان صوتي مرتفعًا، فهذا طبعي وأنا
أحاول جاهدة ضبطه، فهذا التنبيه يزيل أي سوء فهم ويجعل الطرف الآخر يدرك أنكِ لا
تقصدين الحدة.
*
استحضار الأجر: كل مرة تشعرين فيها بأنكِ تكبحين جماح صوتكِ تقربًا
لله، تذكري أنكِ في عبادة، فجهاد الطباع من أعظم أنواع الجهاد. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: