عمل الابن مع أبيه في حياته هل يجعله شريكًا في تجارته؟

Consultation Image

الإستشارة 12/07/2026

توفي والدي ثم لحقه أخي الأكبر ( من الأب) بعده بسنوات وكان طوال عمره يعمل معه في محله التجاري، فقام أخي الأكبر قبل موته بتقسيم الإرث من عائد ايجار العقار الذي خلفه الوالد كالاتي : 50% له باعتباره شريكاً له في تجارته والباقي يوزعه هو بحسب الشريعة ..ثم توفي هو وله اثنين من الابناء وبنت فاصبحنا في حيرة، ولكن ولأجل الحفاظ على العلاقة الأسرية بيننا لم نغير من ذلك مع العلم أن العائد الإيجاري مبلغ قليل.

والسؤال : هل تقسيم الورث للعائد الايجاري بهذه الكيفية صحيح ؟؟ وفي حال توصلنا لبيع كل العقار من المورث الذي هو والدنا جميعا فهل يتم توزيع الارث بحيث يعطى ورثة اخي الراحل النصف ويتشارك البقية في النصف المتبقي ؟

وجزاكم الله خيرا

الإجابة 12/07/2026

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن من نبيل أخلاقكم ورجاحة عقلكم وحرصكم على صلة الأرحام وبقاء المودة والوئام بين أفراد الأسرة، وتغاضيكم عن نقص المال رغم ضآلته في حياة أخيكم الأكبر تجنبًا للشحناء هو مسلك طيب تؤجرون عليه بإذن الله. ولكن مسائل المواريث من الحقوق التي تولّى الله سبحانه وتعالى قسمتها بنفسه في كتابه الكريم حسمًا للنزاع، وطلبكم بيان الحكم الشرعي هو خطوة صحيحة لإبراء الذمم وإعطاء كل ذي حق حقه بالعدل والفضل.

 

اختصارًا:

 

تقسيم العائد الإيجاري بأخذ الأخ النصف وحده تقسيم غير صحيح شرعًا وعمل الابن مع أبيه في محله التجاري لا يمنحه تلقائيًّا حق ملكية نصف العقار ولا نصف ريعه، إلا إذا وُجدت بينة شرعية واضحة كعقد مكتوب أو إقرار وثيق من الأب في حياته تفيد بأن الأب قد ملّكه نصف "العين العقارية" بيعًا أو هبةً. وبناءً عليه، فإن ريع العقار كان يجب أن يُوزع على جميع الورثة بمن فيهم الأخ كلٌ بحسب نصيبه الشرعي من تركة الوالد، ولكن التسامح في الحقوق مباح، فإن طابت به نفوسكم فلا إثم عليه فيما أخذ، وإن أجبركم عليه حقيقة أو حكمًا فعليه إثمه غفر الله لنا وله، فلو كان جاهلاً بالحكم رحمه الله، فإنما دواء العي السؤال كما في الحديث الشريف.

 

ولا يجوز أيضًا إعطاء ورثة الأخ الراحل نصف ثمن العقار المبيع. بل يجب أن يُقسم ثمن العقار كاملاً على جميع ورثة الوالد الأصلي، بحسب أنصبتهم الشرعية يوم وفاته. ونصيب الأخ الأكبر الراحل من هذا التقسيم هو فقط ما ينتقل إلى أبنائه وبنته ليقتسموه بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، إلا إذا تراضى الورثة جميعا وتوافقوا، فحينها لا بأس.

 

وتفصيلاً:

 

اتفق الفقهاء قديمًا وحديثًا على أن أصول أموال الأب كالعقارات والأراضي والمحلات تظل على ملكه، ولا تنتقل ملكيتها أو ملكية أجزاء منها إلى الأولاد بمجرد مساعدتهم له في التجارة أو العمل، وتفصيل آرائهم في تكييف "عمل الولد مع أبيه" كالتالي:

 

يرى الحنفية أن الولد إذا عمل مع أبيه يُعد معينًا لوالده متبرعًا، ما لم يكن هناك شرط صريح بخلاف ذلك. وجاء في "مجلة الأحكام العدلية" المادة 563: "فلو عمل الابن مع أبيه ولم يشترط أجرًا فعمله محمول على التبرع والإعانة".

 

وبناء عليه، فجميع الكسب والأصول للأب، وليس للابن المطالبة بشيء إلا بإثبات الشراكة أو الأجر المشروط، وفي الغالب الأعم أنه كان يتقاضى راتبًا أو مقابلاً، وإلا فكيف تزوج وكيف كان ينفق على أولاده قبل وفاته.

 

المذهب المالكي: فرّق المالكية بين الولد الذي يعيش في كنف أبيه والولد المستقل. ولكن حتى في حال الولد المستقل الذي يثبت له حق، فإن حقه يكون في "الربح والمستفاد" الناتج عن الحركة التجارية، لا في أصل العقار والمحل المملوك للأب.

 

يقول ابن جزي في "القوانين الفقهية": "إذا عمل الولد مع أبيه، فإن كان في كفالة أبيه فما كسبه فهو لأبيه، وإن كان مستقلاً بنفسه فالكسب بينهما على قدر عملهما".

 

المذهبان الشافعي والحنبلي: يريان أن الأصل في عمل الشخص لغيره أنه تبرع لا يستحق عليه أجرًا إلا إذا تم الاشتراط مسبقًا، وفي كل الأحوال لا يملك من الأصول العقارات شيئًا بمجرد العمل. وجاء في "المغني" لابن قدامة: "إذا عمل رجل لغيره عملاً بغير جعل أجر لم يستحق أجرًا".

 

الفتاوى المعاصرة

 

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: سُئلت اللجنة عن قضية مشابهة لابن عمل مع أبيه طوال حياته ويطالب بنصيب زائد عن إخوته، فأجابت في فتاواها:

 

"مجرد عمل الولد مع أبيه في حياته بمحل تجاري أو زراعة لا يسوغ له الاختصاص بشيء من التركة دون بقية الورثة، بل التركة لجميع الورثة على السهام الشرعية، إلا إذا ثبت أن الأب جعل له شيئًا بطريق شرعي صحيح".

 

مسألة مهمة:

 

لم يوضح السائل الكريم بعد وفاة الوالد رحمه الله من كان يدير أعمال المحل التجاري؟، فلو كان الأخ الأكبر وحده يعمل في المحل بحكم خبرته في حياة والده، فبطبيعة الحال يستحق أجرًا إضافيًّا زائدًا عن نصيبه من ميراثه الشرعي، وبما أن العائد ليس آلافًا كثيرة فمن المقبول عقلاً ومنطقًا أن يكون له أكثر من باقي الورثة، ولكن ليس باعتباره شريكًا في الملك، بل بعمله وإدارته للمحل والتجارة، والورثة مدعوون الآن إلى التغافر والتسامح، فقد ذهب أخوهم إلى دار الحق، ولا يملك الآن مناصًا ولا رجوعًا، فليتذكروا له صنائعه الطيبة في حياته ويسامحوه بما كان، بل وليخلفوه في ولده بخير، فالرحم من الرحمن.

 

القواعد الفقهية الحاكمة:

 

قاعدة: "الأصل بقاء ما كان على ما كان"

 

العقار ثبتت ملكيته بالكامل للوالد في حياته، فيستصحب هذا الأصل ويبقى العقار كاملاً تركة للوالد بعد وفاته، ولا ينتقل نصفه للأخ الأكبر بمجرد دعوى الشراكة في العمل دون دليل ناقل للملكية.

 

قاعدة: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر"

 

الأخ الأكبر أو ورثته حاليًا هو المدعي لاستحقاق نصف العقار أو نصف ريعه كـ "شريك"، فعليه إبراز البينة الشرعية كمستندات الملكية أو الشهود العدول. فإن عجز عن البينة، فالقول قول بقية الورثة المنكرين للشراكة، ويعود العقار كاملاً للإرث.

 

قاعدة: "الخراج بالضمان"

 

الخراج هو العائد والإيجار في مسألتكم، والضمان هو الملكية. فبما أن العقار ملك مشاع لجميع الورثة، فإن ريعه يتبع ملكيته ويجب أن يُوزع على الجميع بنسب سهامهم الشرعية، ولا يحق لأحدهم استقطاع 50% منه لنفسه دون وجه حق.

 

قاعدة: "الرضا السكوتي الناشئ عن حياء لا عبرة به" ويعبر عنها الأصوليون بـ: لا يُنسب لساكت قول، ولكن السكوت في معرض الحاجة بيان

 

سكوتكم عن تصرف أخيكم الأكبر في حياته لم يكن رضًا حقيقيًّا بالقسمة، وإنما كان حياءً وحفاظًا على صلة الرحم والمودة. وهذا السكوت لا يُسقط حقكم الشرعي في التركة عند المطالبة بها الآن أو عند بيع العقار. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

فلسفة الإسلام في تقسيم المواريث ودعوى ظلم المرأة

كتابة التركة للبنات خوفًا من ميراث أعمامهم!

الرابط المختصر :