غيرة ابنتي من أمها تقلقني على مستقبلها!!!

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. أميمة السيد
  • القسم : الأطفال
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 284
  • رقم الاستشارة : 3594
16/12/2025

أتقدّم إلى حضرتك بهذه الاستشارة لأنني أشعر بالحيرة، وأرغب في الفهم الصحيح قبل أن أتخذ أي موقف خاطئ دون قصد.

لديّ ابنة تبلغ من العمر خمس سنوات، وهي متعلّقة بي تعلّقًا شديدًا، وتُظهر غيرة واضحة عليّ من أمّها. فإذا اقتربت منّي أمّها، أو جلست بجانبي، أو أظهرت لي اهتمامًا، بادرت ابنتي إلى إظهار الضيق، أو محاولة إبعادي عن أمّها، أو التمسّك بي، وأحيانًا تُعبّر عن غيرتها بكلمات مباشرة أو سلوكيات لافتة.

أعترف أنني أشعر بسعادة داخلية بهذا التعلّق، وأراه دليل حب وقرب، ولا أنكر أن هذا الأمر يُرضي غروري الأبوي، لكن في الوقت نفسه بدأ القلق يتسلّل إليّ.

أتساءل:

هل هذه الغيرة طبيعية في هذا العمر؟

وهل ستختفي مع الوقت؟

أم أن تجاهلها أو الاستمتاع بها قد يؤدّي إلى تفاقمها مستقبلًا؟

وهل يمكن أن تؤثّر هذه الغيرة لاحقًا على علاقتها بأمّها، أو على سلوكياتها الاجتماعية في مرحلة المراهقة أو مع الآخرين؟

أخشى أن أكون –دون قصد– أُرسّخ نمطًا نفسيًّا غير سويّ، أو أضع ابنتي في صراع عاطفي بينها وبين أمّها، وأنا في الحقيقة لا أريد سوى مصلحتها ونموّها النفسي السليم.

أرجو من حضرتك توضيح الأمر تربوي نفسي، وما إذا كان الأمر يحتاج إلى تدخّل، أم مجرّد وعي في التعامل.

الإجابة 16/12/2025

أشكرك أولًا على وعيك وصدقك في عرض مشاعرك وتساؤلاتك، فمجرد طرح هذا القلق يدلّ على أبٍ حاضرٍ نفسيًّا، حريصٍ على سلامة نمو ابنته الانفعالي، لا على متعته الآنية فقط.

 

هل غيرة الطفلة في هذا العمر طبيعية؟

 

نعم، ما تصفه يُعدّ سلوكًا نمائيًّا شائعًا في عمر خمس سنوات، ويندرج ضمن مرحلة التعلق العاطفي بالأب، حيث تبدأ الطفلة في إدراك العلاقات، وتكوين شعور الامتلاك العاطفي، دون نضجٍ معرفي يسمح لها بفهم حدود هذه المشاعر.

 

في علم النفس يُطلق على هذا النمط Attachment-Related Jealousy، أي الغيرة المرتبطة بنمط التعلّق، وهي ليست مرضًا، ولا اضطرابًا في ذاتها. لكن المهم هنا ليس وجود الغيرة، بل كيفية التعامل معها.

 

أين تكمن الخطورة؟

 

الخطورة لا تكمن في غيرة الطفلة ذاتها، بل في تعزيز الأب غير المقصود لها. فشعورك بالسعادة بهذا التعلق مفهوم إنسانيًّا، لكنه إذا تُرجم سلوكيًّا إلى:

 

- تفضيل الطفلة على الأم.

 

- الاستجابة لغيرتها بالضحك أو التواطؤ.

 

- السماح لها بإقصاء الأم أو الاعتراض عليها.

 

فإننا هنا نكون أمام خطر تكوين ما يعرف بـEmotional Triangulation، أي إدخال الطفلة في مثلث عاطفي غير صحي بينها وبين الوالدين، وهو نمط قد يترك آثارًا عميقة مستقبلًا.

 

 ماذا يحدث إذا تُركت الغيرة دون توجيه؟

 

إذا لم تُضبط هذه الغيرة تربويًّا، فقد تتحوّل مع الوقت إلى:

 

- غيرة مفرطة في العلاقات الاجتماعية.

 

- صعوبة تقبّل المشاركة.

 

- نزعة تملّك عاطفي.

 

- صراع داخلي مع الأم، يتفاقم في المراهقة.

 

- أو فيما بعد، نمط تعلّق غير آمن.

 

وهنا ننتقل من غيرة طبيعية، إلى نمط سلوكي راسخ.

 

 الدور التربوي المطلوب من الأب:

 

دورك هنا محوري وحاسم، ويتمثّل في الآتي:

 

1. تطبيع المشاعر دون شرعنة السلوك.. أقرّ بمشاعر ابنتك، لكن لا تسمح لسلوك الغيرة أن يتحول إلى واقع.

 

2. تعزيز صورة الأم عاطفيًّا، ليكن واضحًا أمام الطفلة أن الأم شريكة الحب، لا منافسة فيه.

 

3. إعادة توجيه التعلّق من تعلّق امتلاكي إلى تعلّق آمن (Secure Attachment).

 

4. وضع حدود واضحة بلغة حانية؛ فالحدود ليست قسوة، بل أمان نفسي.

 

قال رسول الله ﷺ: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه» والرفق هنا رفق بالتربية، لا استسلام للعاطفة.

 

 العلاقة بين الأب والأم رسالة غير منطوقة للطفلة:

 

اعلم أن الطفلة تتعلّم أكثر مما تسمع. فحين ترى الاحترام، والمودّة، والتقدير المتبادل بينكما، تتعلّم أن: الحب لا يُنتزع، ولا يُحتكر، ولا يُنافس عليه.

 

قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾؛ فالطفلة التي تنشأ في مناخ مودة، لا تحتاج إلى صراع.

 

 هل سيؤثّر هذا على المراهقة؟

 

نعم، إن تُرك بلا وعي.

 

ولا، إن أُدير بحكمة من الآن.

 

فالطفولة هي مرحلة التأسيس، وكل تعديل هادئ الآن، يجنّبكم صراعات مؤلمة لاحقًا.

 

 همسة أخيرة:

 

ابنتك لا تعاني مشكلة، لكنها تمرّ بمرحلة.

 

وأنت لست مطالبًا بكبت مشاعرك، بل بتوجيهها تربويًّا.. فالفرق كبير بين:

 

- أب يُسعده حب ابنته فقط ..

 

- وأب يُربّي هذا الحب ليكون آمنًا، ناضجًا، غير مؤذٍ لها أو لغيرها، كما تفعل أنت.

 

روابط ذات صلة:

كيف تربي طفلاً سوياً نفسياً؟

منهج الحب النبوي.. كيف ربى النبي ﷺ جيلاً فريدًا من الأطفال

ابنتي غيورة جدًّا!!

هل غيرة الأطفال من المولود الجديد طبيعية؟!

طفلي يغار من جنيني.. ما العمل؟!

الرابط المختصر :