كيف أثر الشغف في نبوغ العلماء؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : تاريخ وحضارة
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 11
  • رقم الاستشارة : 5294
09/07/2026

كيف أثر الشغف في العلماء وكيف نقلهم من الحياة العادية إلى العلم الواسع والمعارف المبهرة.. هل فعلا الشغف له تأثير في حياتهم العلمية؟

الإجابة 09/07/2026

أخي الكريم، الشغف هو الطاقة المحركة للعلماء لطلب العلم، والدافع وراء سهرهم الليالي الطويلة بحثًا عن المعرفة والمعلومة، وهو المحرض على الاكتشافات العلمية والابتكارات التي أفادت البشرية، يقول "ابن القيم" في بيان شغف العلماء بطلب العلم: "وأما عُشاق العلم فأعظم شغفًا به، وعشقًا له من كل عاشق بمعشوقه، وكثير منهم لا يشغله عنه أجمل صورة من البشر".

 

الشغف ضرورة للعلم

 

أخي الكريم، بدون الشغف يفقد العلم توهجه، والطاقة التي تغريه للبحث عن المجهول واكتشافه؛ فالعالم الشغوف لا يهدأ له بال حتى يصل إلى ما يريد، أو يثبت فرضياته العلمية، أو يحقق ابتكاره واختراعه الذي يحلم به. في دراسة نشرت عام 2021م بعنوان "الشغف بالعلم" تحدثت عن دور الشغف أو العاطفة على العلماء مع التطبيق على علماء الأحياء، ذكرت الدراسة أنه بدون الشغف سيفقد العلماء إحساسهم برسالتهم العلمية.

 

وقد تناول عالم الاجتماع "ماكس فيبر" في كتابه الشهير "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية" هذا الشغف، ورأى أن نجاح العلماء هو نتاج للجمع بين حب العلم والشغف به، وبين التزام العمل الجاد والمستمر.

 

فالشغف يخلق حالة من التوتر للعلماء وإصرارًا لتحقيق ما يريدون؛ فممارسة العلماء ليس أداء لمهام وظيفية، تنتهي مع انتهاء دوام ساعات العمل، ولكنها رسالة عظيمة يحركها الشغف والاستمرار.

 

وهذا يذكرنا بما كتبه "ابن القيم" في كتابه "روضة المحبين ونزهة المشتاقين" عندما تحدث عن شغف الإمام "ابن تيمية" بالعلم، فيحكي ابن تيمية عن محاورته مع طبيبه الذي أراد أن يمنعه من القراءة، فيقول "ابتدأني مرضٌ، فقال لي الطبيب: إن مُطالعتك وكلامك في العلم يزيد المرض، فقلت له: لا أصبر على ذلك، وأنا أحاكمك إلى علمك، أليست النفس إذا فرحت وسُرَّت وقَوِيت الطبيعةُ فدفعت المرضَ؟ فقال: بلى، فقلت له: فإن نفسي تُسرُّ بالعلم فتقوى به الطبيعةُ فأجدُ راحةً، فقال: هذا خارجٌ عن علاجنا".

 

ونذكر –أيضًا- ما كتبه "محمد خليل الهراس" في كتابه "ابن تيمية السلفي": "كان لابن تيمية بصر نافذ ونفس طُلَعَة لا تكاد تشبع من العلم، ولا تكل من البحث، ولا تروى من المطالعة، مع التوفر على ذلك وقطع النفس له وصرف الهمة نحوه، حتى إنه لم ينقطع عن البحث والتأليف طيلة حياته في الشام أو في مصر، في السجن أو في البيت، بل إنه كان يتوجَّع ألمًا وحسرة حينما أخرجوا الكتب والأوراق من عنده في أُخْرَيات أيامه".

 

ويتحدث "ابن الجوزي" عن نفسه في كتابه "صيد الخاطر" أن شغفه للعلم جعله يقرأ عشرين ألف كتاب وهو في المرحلة الأولى في طلب العلم، ويقول: "وإني أُخبر عن حالي: ما أشبع من مطالعة الكتب، وإذا رأيت كتابًا لم أره، فكأني وقعتُ على كنز. ولقد نظرتُ في ثَبَتِ الكتب الموقوفة في المدرسة النِّظَامية، فإذا به يحتوي على نحو ستة آلاف مجلَّد، وفي ثبت كتب أبي حنيفة، وكتب الحُمَيدي، وكتب شيخنا عبد الوهاب بن ناصر، وكتب أبي محمد بن الخشَّاب -وكانت أحمالاً- وغير ذلك من كلِّ كتاب أقدر عليه، ولو قلت: إني طالعتُ عشرين ألف مجلد كان أكثر، وأنا بعدُ في الطَّلب".

 

ونشير إلى قصة عالم الأحياء الإيطالي "لادزارو سبالانساني" المتوفى (1799م) الملقب بأبي التلقيح الصناعي في القرن الثامن عشر الميلادي، والذي صنع من شغفه إنجازاته الكبرى في علم الأحياء، فقد أصرت أسرته على أن يدرس القانون ليصبح محاميًا كوالده، أما هو فكان شغوفًا بالأحياء والمخلوقات، وعندما رأى في صغره أن أسرته لا تشاركه شغفه، انكفأ على ذاته ليبقى ذلك الشغف مشتعلاً في نفسه، فكان يلهو بالمخلوقات الصغيرة ويُشَرحها ويجري عليها التجارب، ومع إصراره على أن يكون شغفه هو مجال دراسته، رضخت الأسرة، وانتقل من دراسة القانون إلى الأحياء التي وهبها تفكيره وعمره وأبحاثه.


وختامًا أخي الكريم، بالشغف والاجتهاد المستمر حفر العلماء أسماءهم وإنجازاتهم في التاريخ الإنساني؛ لذا أنصحك بأن تتابع سير هؤلاء العلماء من كافة الأجناس والأديان والتخصصات، وأن تقتبس منهم تلك الروح المتوقدة لطلب العلم وتحصيل المعرفة.

 

موضوعات ذات صلة:

هل العقل مسؤول عن فقدان إحساسنا بالشغف؟

ابني الجامعي فاقد الشغف!

فاقد الدافع ولا يرى معنى لحياته!!

ما المقصود بغياب المعنى وتأثيره على الإنسان؟

الرابط المختصر :