كيف تؤثر الرفاهية الاستهلاكية على حياتنا؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 5
  • رقم الاستشارة : 5673
23/08/2026

تنامي الرفاهية الاستهلاكية في عالمنا المعاصر هل تضر ببناء الشخصية الإنسانية وكيف نتجاوز التأثيرات السلبية لهذا النمط في الحياة؟

الإجابة 23/08/2026

أخي الكريم، الإنسان المعاصر يعيش مستوى رفاهية أفضل مما كان يعيش عليه الأسلاف، فحاليًا من النادر أن ترى مجاعات، أو ترى أعدادًا كبيرة من البشر تموت من الجوع، لكن الجديد في الزمن الحالي أن الرفاهية أصبحت تشاهدها غالبية البشر على الشاشات، وترى مستوى الرفاهية التي يعيشها الآخرون، ولهذا نجد أناسًا يعيشون الرفاهية، وآخرون يتمنونها، والسؤال هنا هل تلك الرفاهية الاستهلاكية المفرطة تؤثر على التنشئة وبناء الشخصية؟ وهل تؤثر على التماسك الاجتماعي، والعلاقات الإنسانية؟

 

الرفاهية وبناء الشخصية

 

أخي الكريم، أن يتمتع الإنسان بقدر من الرفاهية المعقولة يعد أمرًا جيدًا في بناء الشخصية، لكن أن تتحول تلك الرفاهية إلى تنعم وترف يخرج عن حد الاعتدال، فإن ذلك يؤثر سلبًا على بناء الشخصية، إذ ينتج شخصية تتملكها مشاعر الاستحقاق، بمعنى أن ما تحصل عليه هو حقها، دون أن تقدم من العمل والجهد والاجتهاد ما يوازي ما تحصل عليه، كما أن الرفاهية الاستهلاكية المفرطة أو ما يمكن أن نسميه الترف والتنعم، يجعل الشخص ضعيف العزيمة، خائر الإرادة، هشًّا لا يحسن شيئًا إلا التلذذ والتنعم فقط.

 

في كتاب طريف بعنوان "الاستثنائيون" للكاتب "مالكولم غلادويل" قارن في أحد فصوله بين التربية للأبناء في الأسر الفقيرة والأسر الغنية، وأيهما أكثر فائدة ونفعًا، وذكر أن هناك فلسفتين مختلفتين في التربية، لكن ما يعنينا هو أنه أشار إلى حقيقة وهي أن الأطفال في العائلات الفقيرة ليس بالضرورة أن يكونوا أقل حظًّا من الأطفال في العائلات الغنية.

 

وذكر مالكولم غلادويل أن الدراسات تؤكد أن الأطفال الفقراء عادة ما يكونون أقل بكاءً، وأكثر إبداعًا، ويتمتعون بإحساس أكثر تطورًا بالاستقلالية، أما الأطفال في العائلات الغنية فيتملكهم الشعور بأنهم يستحقون أشياء، حتى وإن لم يكونوا كذلك، ولذا فإنهم أكثر شعورًا بالإحباط عندما لا تسير الأمور كما يتمنون، مما يدفعهم إلى الاستسلام مبكرًا أو اللجوء إلى مواد خارجية كالمخدرات.

 

تشير الدراسات إلى أن الأطفال الذين ينشؤون في رغد العيش يعانون أكثر من أقرانهم الأقل حظًّا؛ فنسبة القلق بين الأولاد والبنات الميسورين أعلى بنسبة تتراوح بين 20 و30% مقارنةً بأقرانهم الأقل حظًّا، كما أن الأطفال الميسورين أكثر عرضةً لإدمان الكحول والمخدرات.

 

احذر من التنعم

 

أخي الكريم، كان علماء الأخلاق المسلمون يحذرون من تأثير تلك الرفاهية الاستهلاكية المفرطة على الشخصية، ويرون أن لها تأثيرًا سلبيًّا على السلوك الإنساني، ورأوا أنها تضعف الشخصية وتوجد إنسانًا لينًا ضعيف العزيمة، شديد الهشاشة النفسية، يركن إلى الدنيا وينغمس في ملذاتها، وفي السنة النبوية، قال في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والبيهقي، عن معاذ بن جبل –رضي الله عنه- "إياك والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين"، والمقصود هنا المبالغة، التي تخرج الشيء عن مقصده وغايته.

 

وكان الإمام الغزالي في "إحياء علوم الدين" يحذر الآباء من تربية الأبناء على الرفاهية والتنعم، فيقول: "ولا يعوده التنعم، ولا يحبب إليه الزينة وأسباب الرفاهية، فيضيع عمره في طلبها إذا كبر فيهلك هلاك الأبد.... وأن يُحفظ عن الصبيان الذين عودوا التنعم والرفاهية ولبس الثياب الفاخرة، وعن مخالطة كل من يسمعه ما يرغبه فيه".

 

كان ابن خلدون في مقدمته يرى أن من عوائق الملك حصول الترف والانغماس في النعيم، فيقول: "وعلى قدر ترفهم ونعمتهم يكون إشرافهم على الفناء فضلاً عن الملك، فإنّ عوارض التّرف والغرق في النعيم كاسر من سورة العصبيّة، التي بها التغلب، وإذا انقرضت العصبية قصّر القبيل عن المدافعة والحماية، فضلاً عن المطالبة والتهمتهم الأمم سواهم، فقد تبين أن الترف من عوائق الملك"؛ فالانغماس في تلك الرفاهية الاستهلاكية، التي ينفصل فيها الاستهلاك عن العمل، يتحول الإنسان ومن بعده المجتمع إلى مجتمع رخو منصرف إلى تحصيل اللذة والتنعم.

 

موضوعات ذات صلة:

الزواج وحفلات الاستهلاك الاستفزازي

رمضان والنزعة الاستهلاكية.. احترس من المادية

لماذا تنجذب المرأة لهوس الاستهلاك المفرط؟

الموضة كيف تؤثر على عقولنا؟

التعليقات

الرابط المختصر :