الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : روح العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
227 - رقم الاستشارة : 3866
18/01/2026
رحلة الإسراء والمعراج؛ هذه المعجزة الخالدة والمنحة الربانية لنبينا محمد ﷺ، لقد نشأنا واعتدنا على الاحتفال بذكراها في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب، إلا أنني طالعتُ مؤخرًا آراء لعدد من المحققين من أهل العلم والسيَر، يؤكدون أن تاريخ الحادثة لم يثبت فيه نصٌّ صريح، وأن الأقوال تضاربت فيه حتى شملت شهورًا وأعوامًا مختلفة، مما يعني عدم معرفتنا على وجه اليقين بالليلة التي وقعت فيها.
فكيف يمكن لحدث بهذا الحجم، وهذه الأهمية المركزية في تاريخ الإسلام -وفيه من العجب والإعجاز وفريضة الصلاة ما فيه- أن يظل تاريخه مجهولًا أو مختلفًا فيه؟
أليس من مقتضى تعظيم هذا الحدث أن يُحفظ تاريخه ويُضبط وقت وقوعه ليكون معلمًا واضحًا للأجيال؟
مرحبًا بك أختي الكريمة، وأشكرك جزيل الشكر على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله العلي القدير أن يبارك في عمرك، وأن ينير قلبك بنور الإيمان والعلم، وأن يجزيك خيرًا على حرصك على فهم أسرار دينك وتاريخ نبيك محمد ﷺ، وبعد...
فإن رحلة الإسراء والمعراج ليست مجرد واقعة تاريخية مرت في سجل الزمن، بل هي معجزة خرق الله فيها سنن الكون لنبيه المصطفى ﷺ. وحيرتك -أختي الكريمة- حول توقيت الرحلة هي حيرة مشروعة، وقد سبقتك إليها عقول كبار العلماء والمؤرخين. لكن، كما سنرى، فإن في هذا الخفاء التاريخي حِكَمًا ربانية بالغة تتجاوز مجرد ضبط التواريخ والأرقام.
لماذا حدث هذا الاختلاف؟
لقد صدقت فيما طالعت؛ فالمحققون من أهل العلم ذكروا أن الأقوال في تاريخ الإسراء والمعراج زادت على عشرة أقوال. فمنهم من قال إنها كانت في ربيع الأول، ومنهم من قال في ربيع الآخر، ومنهم من قال في شوال، ومنهم من ذهب إلى أنها كانت في شهر رجب، وهو الأشهر.
وهذا الاختلاف في التحديد نتج من الأسباب التالية:
1- طبيعة المرحلة: في تلك المرحلة المكية المبكرة، لم يكن للمسلمين تأريخ محدد (مثل التاريخ الهجري الذي وُضع في عهد الخليفة الراشد عُمر بن الخطاب رضي الله عنه). وقد كان العرب يؤرخون بالوقائع الكبرى (كعام الفيل)، ولم يكن ثمة اعتناء شديد بتدوين اليوم والشهر بقدر الاعتناء بمتن الواقعة وأحداثها ونتائجها.
2- التركيز على العِبرة: كان الصحابة الكرام -رضي الله عنهم- يركزون على ما نزل من وحي وما فُرض من أحكام. فالمهم لديهم كان الصلاة التي فُرضت، والآيات التي رآها النبي ﷺ، وليس تخليد ذكرى سنوية ليوم وقوعها.
الحكمة من إخفاء وقت ليلة الإسراء والمعراج
قد يتساءل المرء: أليس من الأنسب أن يُحفظ وقت هذه الحادثة لتُعظَّم؟ والجواب يكمن في منهج الإسلام في التعامل مع الزمان الفاضل.
تأملي أختي الكريمة -على سبيل المثال- في ليلة القدر، وهي ليلة ﴿خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ كما قال الله عز وجل. ومع ذلك، فقد أخفى الله موعدها الدقيق عن الأمة، قال النبي ﷺ: «إِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكونَ خَيْرًا لَكمْ» [رواه البخاري].
والخير هنا والحكمة هي ألا يتكاسل الناس ويحصروا عبادتهم في ليلة واحدة؛ بل أن يجتهدوا في كل الليالي. وكذلك الإسراء والمعراج؛ فالمطلوب هو استحضار معانيها طوال العام، لا في ليلة واحدة فقط.
وكذلك من مقتضى كمال التشريع أن تظل العبادة مرتبطة بما شرعه الله ورسوله. فلو حُدِّد تاريخها بدقة، لاتخذها الناس عيدًا يضاهي الأعياد المشروعة، وربما انصرفوا عن جوهر المعجزة (وهي الصلاة والتوحيد) إلى مجرد احتفالات مظهرية في ليلة واحدة. وهذا ما يحدث الآن -مع الأسف- لمَّا ربطها الناس بليلة محددة في رجب.
تعظيم الحدث بالجوهر لا بالتقويم
إن تعظيم الإسراء والمعراج لا يكون بحفظ تاريخها في «الأجندة» بل بحفظ أثرها في القلوب والواقع. ويحسن بنا في هذا المقام أن نذكر أنه عندما عاد النبي ﷺ من رحلته وأخبر قريشًا، سارعوا إلى أبي بكر -رضي الله عنه- ليشككوه، فكان رده الإيماني العظيم: «إن كان قال فقد صدق» [رواه الحاكم]. فتعظيم الحدث هنا تمثل في التصديق المطلق، وتحويل المعجزة إلى ثبات على المبدأ، وهذا الدرس نحتاجه في كل يوم، وليس في ليلة 27 رجب فقط.
ويقول الله -تعالى- في وصف ما رآه النبي ﷺ في المعراج: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ * لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكبْرَىٰ﴾ [النجم: 17 و18]. فأعظم تذكار للإسراء والمعراج هو الصلاة التي هي معراج المؤمن. فمن أراد أن يعظِّم ذكرى المعراج، فليعظِّم وقوفه بين يدي الله خمس مرات يوميًّا.
الجهل بالتاريخ لا يُنقص قيمة الحدث
فالقرآن الكريم خلَّد الواقعة بقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الإسراء: 1]. غير ما ورد من آيات في سورة النجم ذكرنا بعضها. وهذا التوثيق القرآني هو المعلم الواضح للأجيال. فالله -تعالى- وثّق الأماكن (المسجد الحرام، المسجد الأقصى، سدرة المنتهى)، ووثَّق الهدف (لنريه من آياتنا)؛ ووثق ما رآه، وما افترضه عليه وعلى الأمة، لكنه أبهم التاريخ ليجعلنا نركز على عظمة الرب سبحانه، ومكانة النبي ﷺ، وقيمة ما رآه في هذه الليلة، وما افترضه عليه وعلى أمته فيها.
وختامًا أختي السائلة الكريمة، إن عدم ثبوت تاريخ الإسراء والمعراج على وجه اليقين لا يقدح في أهميتها؛ بل هو دعوة لنا لنخرج من إطار الاحتفالات الموسمية إلى رحاب الاقتداء الدائم. إن معالم هذه الرحلة محفوظة في صلاتنا، وفي عقيدتنا، وفي آيات القرآن التي نتلوها آناء الليل وأطراف النهار. فاجعلي من كل صلاة لك معراجًا لقلبك نحو السماء، وبذلك تكونين قد حققتِ المقصد الأسمى من هذه المعجزة.
أسأل الله أن يشرح صدرك وييسر أمرك، ويرزقك التوفيق والسداد.
روابط ذات صلة:
كيف يقدِّم إمام المسجد «الإسراء والمعراج» منهجًا للحياة؟
7 دروس للشباب من رحلة الإسراء والمعراج
6 علامات للفرج بعد الشدة في الإسراء والمعراج
4 دروس مهمة للإنسانية من الإسراء والمعراج
في ذكرى الإسراء والمعراج.. تذكرة بالتسرية والتسلية
كيف يعالج «الإسراء والمعراج» آلام الفقد وجراح الفقر؟
كيف تقرِّب الأم قصة «الإسراء والمعراج» لأبنائها وتستثمرها تربويًّا؟
مغامرات «عمر وجدو» الرمضانية 12 عمر محرر المسجد الأقصى