الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : فئات المدعوين
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
6 - رقم الاستشارة : 5343
15/07/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أنا إمام وخطيب مسجد، ومشرف على محاضن تربوية للشباب في السن الحرجة ما بين (15 إلى 20 عاماً). أرفع إليكم استشارتي هذه مدفوعاً بوجع دعوي حقيقي وتحدٍّ ميداني متكرر أواجهه مع هذا الجيل المعاصر من الفتيان والشباب المراهقين.
لقد اختلفت تركيبة الشاب والمدعو اليوم عن الأجيال السابقة بشكل جذري؛ فالشاب المعاصر يتعرض لقصف ذهني وفكري مركز ومستمر عبر شبكات الإنترنت، ومقاطع الفيديو، ومنصات البث الرقمي، والألعاب الإلكترونية التفاعلية. الشبهات لم تعد تطرح في كتب فلسفية معقدة، بل أصبحت "سيّالة" وناعمة وجذابة تتدفق على عقولهم في قوالب ساخرة أو مقاطع مبتسرة وجذابة تثير التشكيك في أساسيات العقيدة، وعدالة التشريع، وحقيقة وجود الله سبحانه، وحكمة الابتلاء، وصحة السنة النبوية المطهرة.
ما يقلقني ويفطر قلبي هو أنني أرى بعض الشباب المترددين على المسجد والمحاضن التربوية يحملون في صدورهم تلالاً من الأسئلة الحائرة والشبهات المكتومة، لكنهم يخشون البوح بها خوفاً من التكفير، أو التوبيخ، أو الوصم بضعف الإيمان والفسوق من قِبل المربين والآباء. ومن جهة أخرى، نجد أن بعض الدعاة والمربين يواجهون هذه الظاهرة إما بالهروب والتجاهل، أو بالردود السطحية الساذجة التي تزيد الشاب حيرة وشكاً، أو بالهجوم العنيف والشدة والتحذير من إعمال العقل.
كيف نبني كدعاة ومربين نموذجاً دعويًّا يتعامل مع فئة الشباب والمراهقين المعاصرين بأسلوب يفكك هذه الشبهات السيالة من جذورها؟ وكيف نحول المسجد والمحضن التربوي إلى ملاذ آمن يثق فيه الشاب ويبوح فيه بكل ما يدور في عقله الصغير دون خوف أو خجل؟ وجهونا بمنهجية عملية مفصلة جزاكم الله خيراً.
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، أهلاً بك وبأقلامك الغيورة الصادقة أيها الإمام المربي
والداعية الحكيم، وبارك الله في قلبك الحي الذي يحمل همّ ثغور الشباب والأجيال
الناشئة.
واعلم أخي
المبارك أن التعامل مع فئة الشباب والمراهقين في هذا العصر هو من أدق مسالك الدعوة
وأشدها حساسية؛ لأن الشاب في هذه المرحلة يمر بتحولات فيزيولوجية، ونفسية، وعقلية
تدفعه نحو حب الاستقلال والبحث عن الأجوبة العقلية المقنعة، فإذا صادف ذلك بحر
الشبهات الرقمية السيالة، تضاعف حجم التحدي وأصبح الرفق والاحتواء فريضة وضرورة
دعوية ملحة لا خيارًا ثانويًّا.
إنَّ الهدي
النبوي الشريف يقدم لنا أروع النماذج التطبيقية والعملية في كيفية التعامل الفذ مع
أسئلة الشباب الجريئة والصادمة بالاحتواء النفسي والبيان العقلي الواثق الحنون.
وتأمل بقلبك وعقلك قصة ذلك الشاب الذي جاء إلى النبي ﷺ يقول علانية وأمام الصحابة:
«يا رسول الله، ائذن لي بالزنا!»، فزجره الناس وانتهروه، لكن القائد المربي العظيم
ﷺ قال له برفق ورحمة غامرة: «ادنُه»، فدنا منه الشاب وجلس، فبدأ النبي ﷺ يحاوره
عقليًّا وعاطفيًّا بأسلوب يلامس الفطرة والواقع: «أتُحبُّه لأُمِّكَ؟... أفتُحبُّه
لابنتِكَ؟...».
حتى قال الشاب:
لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك، ثم وضع النبي ﷺ يده الشريفة الصالحة على
صدر الشاب ودعا له: «اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه» [رواه أحمد بإسناد
صحيح].
هذا هو المنهج
النبوي: تقريب، حوار عقلي وفطري هادئ، مسح عاطفي، ودعاء بظهر الغيب، بدلاً من
الطرد، والتوبيخ، والزجر الشديد.
ثم إن الشبهات
المعاصرة لا تنبع في كثير من الأحيان من رغبة حقيقية في الكفر والجحود، بل هي
نتيجة "تلوث فكري" عارض سببه الانكشاف غير المحمي على الفضاء الرقمي، أو
نتيجة أزمات نفسية وضغوطات واحباطات اجتماعية يُعبر عنها الشاب من خلال التشكيك
الديني. ولذلك، فإن أولى الخطوات التطبيقية لإنشاء "محضن احتوائي آمن"
هي إلغاء "ثقافة التخوين والترهيب الفكري" تمامًا، وإعلان "سياسة
الباب المفتوح والقلب الواسع" لكل سؤال مهما كان جريئًا أو صادمًا.
يجب أن يسمع
الشباب منك ومن المربين عبارات من قبيل: "مرحبًا بأسئلتك وعقلك الذكي،
والإسلام دين عظيم لا يخشى الأسئلة بل يملك الإجابات الوافية الشافية عنها جميعًا".
ومن الناحية
المنهجية والعملية، ينبغي تفعيل الخطوات التالية في مساركم التربوي والدعوي؛
أولاً: عقد
"جلسات حوارية دورية مغلقة وبلا قيود" تسمى مثلاً (صراحة شابة أو فضاء
الفكر)، يطرح فيها الشباب أسئلتهم بأسماء مستعارة عبر أوراق مكتوبة إن خجلوا،
وتُناقش بمنتهى الجدية والاحترام وبأدوات عقلية وشرعية رصينة تبين حكمة الشريعة
وكمال الوحي.
ثانيًا: التركيز
المكثف في المواعظ والخطب على "بناء أصول العقيدة وأركانها الفطرية"
(كمحبة الله، ومعرفة أسمائه وصفاته، وحكمة الابتلاء وخلق الكون، ومعجزات النبوة)،
بدلاً من الانشغال الدائم بالفرعيات والجزئيات؛ لأن الشاب إذا ثبت أصل الإيمان في
قلبه وعقله، تلاشت وعصفت بكل الشبهات الفرعية تلقائيًّا، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ
تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ
أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: 24].
ثالثًا: ربط
هؤلاء الشباب بنماذج من العلماء والدعاة الشباب المعاصرين المتخصصين في ملفات
"صناعة المحتوى النقدي الفكري المحكم" والذين يخاطبون الشباب بلغتهم
وعصرهم ويفككون الإلحاد والشبهات بقوالب حديثة رشيقة وقوية.
وأنصحك ختامًا
بالآتي:
• افصل دائمًا
بين "الشبهة الفكرية" وصاحبها؛ فتعامل مع الشاب كأنه مريض يحتاج إلى
دواء وعناية ورحمة، وليس كمجرم أو متهم يستحق العقاب والزجر والقصاص.
• استخدم أسلوب
"التشجيع والثناء على الذكاء وحب المعرفة والبحث" لدى الشاب قبل أن تجيب
على سؤاله؛ فهذا يكسر الحواجز النفسية ويهيئ عقله لقبول الحق والبيان الشرعي.
• لا تتردد أبدًا
في أن تقول "لا أعلم، وسأبحث لكم عن الإجابة الدقيقة" إذا سُئلت عن
مسألة معقدة لم تحط بها علمًا؛ فهذا يرسخ مصداقيتك العلمية والأخلاقية الكبيرة في
نفوس الشباب.
وأسأل الله
العظيم العلي القدير أن يبارك في مسيرتك التربوية والدعوية الخيرة، وأن يفتح على
يديك قلوب هؤلاء الشباب والفتيان الصغار. اللهم ثبت عقولهم وقلوبهم على دينك،
واحمهم من مضلات الفتن والشبهات والشهوات، واجعلهم حماة لهذا الدين، بناة للحضارة،
مصلحين صادقين، واجزِ مربيهم خير ما جازيت مصلحًا عن رعيته ودعوته.
روابط ذات صلة:
الاتزان الدعوي في معالجة الانحرافات الأخلاقية للشباب