الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : فئات المدعوين
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
15 - رقم الاستشارة : 5017
08/06/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا أم لثلاثة أبناء، وأكبرهم في المرحلة الثانوية، وقد بدأت ألاحظ تغيرًا واضحًا في شخصيته خلال العامين الأخيرين؛ فأصبح شديد التعلق بالمشاهير والمؤثرين عبر مواقع التواصل، ويقضي ساعات طويلة يتابع المقاطع القصيرة والبثوث المباشرة، حتى صار يتأثر بطريقة كلامهم ولباسهم وأفكارهم، بل أحيانًا يردد عبارات فيها استهزاء بالقيم أو تهاون ببعض الأحكام الشرعية.
المشكلة أنني كلما حاولت نصحه أو منعه ازداد عصبية وانغلاقًا، وأصبح يعتبر كلامي نوعًا من “التشدد” أو “عدم فهم الجيل الجديد”، وأنا أخشى أن أخسره نفسيًا أو دينيًا، خصوصًا أن الأب مشغول معظم الوقت، والبيت لم يعد يجتمع كما كان سابقًا.. فكيف أتعامل معه بطريقة دعوية تربوية تحفظ علاقتي به، وتعيد إليه التوازن دون صدام دائم أو قسوة تنفره أكثر؟
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته، حياكِ الله أيتها الأم الفاضلة، وبارك الله في حرصك
على ابنك وخوفك عليه، فإن مجرد هذا القلق الصادق يدل على حياة قلبك وشعورك
بالمسؤولية، وكثير من الأبناء اليوم لا يواجهون الانحراف بسبب غياب المعلومات فقط،
بل بسبب غياب الاحتواء والحوار والقدوة والدفء الأسري.
وما
يمر به ابنك أصبح من أبرز التحديات التربوية المعاصرة؛ لأن المؤثرين اليوم لا
يدخلون إلى الأبناء كمعلمين فقط، بل يدخلون بوصفهم "أصدقاء يوميين"
يرافقونهم بالصوت والصورة والمشاعر والقصص، ويؤثرون في ذوقهم ونظرتهم للحياة بصورة
قد تتجاوز أحيانًا تأثير الأسرة نفسها. ولهذا فإن المواجهة ينبغي ألا تكون مجرد
أوامر ونواهٍ، بل تحتاج إلى بناء علاقة قوية تُعيد للأسرة مكانتها النفسية في قلب
الابن.
ابدئي
أولًا بتخفيف مساحة التوتر في الحوار، فالمراهق بطبيعته يميل إلى إثبات ذاته، وإذا
شعر أن كل جلسة ستتحول إلى محاكمة أو انتقاد فإنه سيغلق أبواب قلبه تلقائيًّا.
حاولي أن تفتحي معه أحاديث هادئة حول اهتماماته وهواياته وأفكاره دون استجواب أو
سخرية، واجعليه يشعر أنك تسمعينه لتفهميه لا لتهاجميه.
ومن
المهم جدًّا أن نفرق بين "التأثر المؤقت" و"الانحراف العميق"،
فكثير من الشباب يمرون بمراحل تقليد وانبهار ثم يعودون إلى التوازن إذا وجدوا من
يحتويهم بحكمة. وقد كان النبي ﷺ قريبًا من الشباب، يسمع لهم، ويحاورهم، ويراعي
ظروفهم النفسية. ومن أعظم الأمثلة حديث الشاب الذي استأذن النبي ﷺ في الزنا، فلم
يصرخ فيه النبي ﷺ ولم يفضحه، بل حاوره بلغة العقل والقلب حتى خرج وقد تبدلت قناعته
تمامًا.
ومن
الوسائل العملية النافعة أن تُشعري ابنك بقيمته الحقيقية خارج العالم الافتراضي،
فبعض الأبناء يهربون إلى المؤثرين لأنهم لا يجدون التقدير الكافي داخل البيت.
امدحي الجوانب الإيجابية فيه، وامنحيه مسؤوليات حقيقية، وشاركيه بعض الأنشطة
الواقعية، ولو كانت جلسة أسبوعية بسيطة للأسرة بلا هواتف. فالفراغ العاطفي من أكبر
أبواب التأثر الخارجي.
كما
أن المنع الكامل المفاجئ غالبًا لا ينجح، بل قد يدفع الابن إلى العناد أو المتابعة
السرية، والأفضل هو "الترشيد التدريجي". فبدل أن تقولي له: "كل
هؤلاء فاسدون"، ناقشيه في بعض الأفكار بهدوء، واسأليه: ما الشيء الذي يعجبك
في هذا الشخص؟ وهل كل ما يقوله صحيح؟ وكيف نفرق بين الترفيه المقبول والتأثير
الضار؟ فهذه الطريقة تبني لديه التفكير الناقد بدل التلقي الأعمى.
وحاولي
كذلك أن توفري له بدائل نافعة جذابة، لأن النفس لا تترك شيئًا إلا بشيء. فوجود
صحبة طيبة، أو نشاط رياضي، أو مشروع مهاري، أو متابعة نماذج شبابية ناجحة ومتزنة؛
يخفف كثيرًا من التعلق بالمحتوى السطحي.
ولا
تنسي جانب الدعاء، فإن القلوب بيد الله سبحانه وتعالى، وقد كان من دعاء عباد
الرحمن: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ
أَعْيُنٍ﴾. وأكثري من الدعاء له في أوقات الإجابة دون أن يشعر أحيانًا، فالدعاء
الصادق من الأم له أثر عجيب في صلاح الأبناء.
كما
أن وجود الأب مهم جدًّا في هذه المرحلة، حتى لو كان مشغولًا، فالمراهق يحتاج إلى
نموذج رجولي قريب منه، يسمعه ويحتويه ويشاركه بعض الاهتمامات. وليس المطلوب جلسات
طويلة دائمًا، بل أحيانًا يكفي اهتمام صادق منتظم يشعر الابن أنه ليس وحده.
وأوصيكِ
بالصبر وعدم استعجال النتائج، فالتربية ليست قرارًا لحظيًّا، وإنما بناء طويل
يحتاج إلى نفس رحيم وحكمة متدرجة، واعلمي أن كثيرًا من الشباب الذين مروا بمراحل
اضطراب عادوا إلى الاستقامة والنضج بسبب أم حكيمة لم تيأس ولم تتحول علاقتها
بابنها إلى معركة يومية.
ونسأل
الله أن يحفظ ابنك، وأن يشرح صدره للحق، وأن يرزقه الصحبة الصالحة والبصيرة
النافعة، وأن يجعل بيتكم عامرًا بالمودة والسكينة والإيمان، وأن يقر عينك بصلاح
ذريتك في الدنيا والآخرة.
روابط
ذات صلة:
أخي يقلد المؤثرين بطريقة مخيفة!