كيف نصنع الأثر الدعوي من خلال الفنون والأدب؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. عادل عبد الله هندي
  • القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 14
  • رقم الاستشارة : 5717
27/08/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أسعد الله أوقاتكم بكل خير ونفع بكم. أنا داعية وكاتب مهتم بالصناعات الثقافية والإعلامية.

أرقب بأسى شديد الانسحاب الدعوي والشرعي شبه الكامل من ميدان "الأدب، والفنون، والدراما، والقصة الهادفة"، وترك هذا الميدان الحيوي والشديد التأثير بأيدي أفكار وتوجهات تُغَرِّب القيم، وتفكك الأخلاق، وتُزين الفاحشة في قالب فني مبهر يستحوذ على عقول ومشاعر الملايين من الأطفال والشباب.

حين نحاول الدخول في هذا الميدان، يُواجهنا بقسوة من بعض الوسط الدعوي الذي ينظر لجميع أشكال الفن والدراما بنظرة تحريمية أو استهانة، مفضلين البقاء في دائرة الخطابة التقليدية.

أجد في نفسي إيمانًا عميقًا بأن "القصة والصورة والجمال الفني" هي من أقوى أسلحة الدعوة في هذا العصر للوصول إلى أفئدة الناس دون استئذان.

كيف نؤسس لـ "منهجية دعوية جمالية وأدبية" تستثمر الفنون الهادفة والقصة، لتجسيد القيم الإسلامية والجمال الإيماني في إنتاجات إبداعية تصنع الأثر وتنافس بقوة؟

الإجابة 27/08/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، مرحبًا بك أيها الأخ المبدع المبارك، وبارك الله في أفقك الدعوي الواسع ونظرتك الثاقبة لوسائل التأثير العصر الحديث.

 

وإن الحق عز وجل الذي خلق هذا الكون وأودع فيه أعلى درجات الجمال والإتقان، جعل للجمال والأدب والقصة سلطانًا عظيمًا على النفوس والقلوب. وإن الشريعة المطهرة لم تأتِ لمحاربة الجمال أو كبت الموهبة الإبداعية، بل جاءت لـ "تطهير الفن وتوجيهه نحو تسبيح الخالق ونفع الخالق". وإن إخلاء ميدان الأدب والفن للفساق والمضلين هو تفريط بالغة خطورته في ثغر من أعظم ثغور التشكيل الوجداني للأمم.

 

ولبناء منهجية دعوية أدبية وفنية قائمة على قواعد الشريعة، أنصحك بالمرتكزات التالية:

 

أولاً: التأصيل الشرعي لمركزية القصة والجمال في الخطاب الدعوي

 

1. المنهج القرآني في التوظيف القصصي: إن ثلث القرآن الكريم جاء في قالب قصصي مبهر يخلب الألباب؛ قال تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} [يوسف: 3]. القصة القرآنية تنفذ إلى أعماق النفس، وتزرع الإيمان، وتُحرك المشاعر، وتثبت القلوب بأسلوب يتجاوز التلقين المباشر.

 

2. استثمار أدوات التعبير في العهد النبوي: كان للنبي ﷺ شعراء كحسان بن ثابت وكعب بن مالك ورواحة، وكان يحثهم على استخدام سلاح الشعر والبيان قادرًا على النفاذ: «إنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً، وإنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْرًا» (رواه البخاري). والفنون الحديثة كالدراما والأنيميشن والرواية هي امتداد معاصر للشعر والبيان في التأثير.

 

ثانيًا: معالم الاستراتيجية لإحياء الفن والأدب الدعوي

 

1. التحول من "الفن الوعظي المباشر" إلى "الفن القيمي المفهوم": إن أكبر أخطاء المحاولات الفنية المحسوبة على الدعوة هي المباشرة المفرطة والخطابية التي تفقد العمل جماله وفنيته. الفن المؤثر هو الذي يمرر القيمة الأخلاقية والإيمانية (كالتضحية، والوفاء، والتوكل، والعدل، والعفاف) سياقًا دراميًّا وقصصيًّا عميقًا يلامس الإنسانية دون حاجة للوعظ المباشر.

 

2. صناعة (الشركات الإنتاجية الدعوية المحترفة): ينبغي للعمل الفني ألّا يبدو هزيلاً أو ضعيف الإمكانيات؛ بل يجب ضخ الاستثمارات والتدريب العالي لإنتاج أعمال أنيميشن، وأفلام وثائقية، وروايات تتفوق في جودتها البصرية والصوتية على الأعمال الفاسدة.

 

ثالثًا: خطوات تطبيقية للميدان

 

1. تأسيس (حاضنة الأدباء والفنانين المسلمين): مشروع يكتشف المواهب الشابة في الكتابة السينمائية، والرسم، والإخراج، وتوفير التأصيل الشرعي والتربوي لهم، مع تدريبهم على يد خبراء إعلاميين عالميين.

 

2. إطلاق جوائز سنوية لـ (الأدب والفن الهادف): رصد جوائز مالية ومعنوية قيمة لأفضل رواية، أو فيلم قصير، أو تطبيق أطفال يحمل قيم الاستخلاف والعفاف والتوحيد.

 

وأنصحك ختامًا بهذه النفحات:

 

• الإخلاص وتطهير النية: اجعل عملك الفني والأدبي قربة لله وسببًا لنشر النور ورفع الذوق العام.

 

• الصمود أمام النقد السطحي: لا تتأثر بالأصوات التي تحرم كل جمال، واثبت على منهج الشريعة السمح الذي يستوعب كل طاقة نافعة.

 

روابط ذات صلة:

هل الفنون قادرة على إنتاج الأخلاق؟

الضوابط الإيمانية للكتابة الأدبية.. الأسئلة العشرة

الفن في خدمة الدعوة بين الجواز والمنع

التعليقات

الرابط المختصر :