الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
14 - رقم الاستشارة : 5523
04/08/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أنا مدير مركز الاستشارات الأسرية التابع لمسجد جامع كبير في منطقة حيوية. نواجه أزمة مخيفة في مجتمعنا المحيط؛ وهي الارتفاع الحاد في نسب الطلاق بين حديثي الزواج، وتشتت الأبناء نتيجة "غياب التثقيف الأسري والمهاري عن الخطاب الدعوي والمنبري".
المشكلة تكمن في أن خطب الجمعة والدروس الإيمانية في المسجد تتناول مواضيع غاية في التجريد، أو تعيد تكرار مواعظ تاريخية لا تلامس الواقع اليومي المشتعل داخل البيوت، مثل: مهارات التواصل بين الزوجين، احتواء الخلافات، أساليب التربية الحديثة للأبناء، وفن إدارة ميزانية الأسرة.
وحين نطلب من دعاة المسجد وخطبائه تخصيص سلاسل دعوية لمعالجة هذه القضايا الحيوية بأسلوب مهاري تطبيقي، نجد كسلاً وتمنعًا بحجة أن المسجد مكان للعبادة العامة وليس لدورات العلاقات الزوجية.. كيف نطور ميدان الدعوة المجتمعية داخل المسجد لحماية الكيان الأسري؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، حياكم الله وبياكم أيها المدير المبارك؛ إن تشخيصك لغياب
التثقيف الأسري عن الخطاب الدعوي يضع اليد على ثغر مجتمعي ينزف بشدة؛ فالأسرة هي
النواة الصلبة للمجتمع المسلم، وإذا انفرط عقدها وتصدعت جدرانها تلاشت قوة الأمة
وضعف أثر كل بناء دعوي آخر، ومواجهة هذا التصدع هو في قلب وظيفة المسجد الشاملة.
إنَّ الشريعة
الإسلامية أولت الأسرة وعقد النكاح اهتمامًا تشريعيًّا وتربويًّا فائقًا، فوصفت
الميثاق بـ "الغليظ"، وفصلت في آيات محكمات حقوق الزوجين، والرفق في
العشرة، وآداب إنهاء الخلافات؛ وتأمل الهدي النبوي الرفيع الذي كان يمثل أعلى
مراتب الإرشاد الأسري الميداني؛ فكان ﷺ يوجه الرجال في خطبة الوداع قائلاً: «اسْتَوْصُوا
بِالنِّسَاءِ خَيْرًا»، وكان يعلم الآباء مهارات التربية بالحب واللعب
والقدوة، ويقضي بين الزوجين بإنصاف يراعي طبيعة النفس البشرية ومشاعرها؛ والله
تعالى يقول: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا
لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:
21].
فالخطاب الدعوي
الذي يغفل عن تفسير المودة والرحمة إلى مهارات تواصل يومية، ويتجاهل صيانة البيوت
من الخراب، هو خطاب قاصر يفقد المسجد دوره الريادي في قيادة الحياة وإصلاح
المجتمع.
إن الإصلاح يفرض
على الدعاة والمؤسسات المسجدية تجاوز عقلية "المواعظ المجردة" والنزول
إلى مربع "التوجيه المهارى والتربوي الأسري التطبيقي"؛ بجعل منابرنا عونًا
للناس على حل مشكلاتهم المعاشية والتربوية، بأسلوب يجمع بين التأصيل الشرعي
والخبرة النفسية والاجتماعية.
ولتحقيق
هذا التحول المبارك في مركزكم نوصي بالآتي؛
أولاً: إطلاق
"رخصة التأهيل الزواجي الدعوية"، وهي دورة تدريبية إلزامية مجانية
يتبناها المسجد لكل شاب وفتاة مقبلين على النكاح من أهل الحي، تشتمل على فقه
الحقوق الزوجية، ومهارات الحوار واحتواء الغضب، وفن الإدارة المالية للبيت.
ثانيًا: إعادة
هندسة "خطة الخطابة المنبرية للمسجد"، بحيث يُلزم الخطباء بتخصيص جمعة
من كل شهر لمعالجة قضية أسرية واقعية (مثل: خطورة العنف اللفظي، التربية الرقمية
للأبناء، أزمة تدخل الأقارب)، وطرح حلول عملية قابلة للتطبيق الفوري.
ثالثًا: تفعيل
"عيادة الصلح والاستشارات الأسرية" داخل المسجد بشكل احترافي، يشارك
فيها دعاتنا بالتعاون مع أخصائيين نفسيين متطوعين، لتقديم الدعم السري للبيوت
المهددة بالانفصال بروح المودة والستر والتأهيل.
وختامًا
أنصحك بالآتي:
• صمم
"دليلاً مرجعيًّا للخطيب في القضايا الأسرية" يحتوي على نصوص الوحيين
ومكتشفات علم النفس الأسري المعاصر، ليسهل على الخطباء تناول هذه الملفات بذكاء
وعمق.
• احرص على تنظيم
فعاليات ومسابقات مجتمعية داخل المسجد تجمع الآباء بأبنائهم (كالأنشطة الرياضية أو
الرحلات الترفيهية الهادفة) لتعزيز قيم التربية بالمصاحبة.
• لا تتردّد في
كفالة وتأهيل الدعاة الشباب في مجالات الإرشاد الأسري، ليكون لدينا جيل دعوي قادر
على الحديث بلغة مهارية مقنعة.
وأسأل الله
العظيم أن يحفظ بيوت المسلمين من كل سوء، وأن يجعل مسجدكم منارة لإشاعة المودة
والرحمة وبناء الأسر الصالحة.
روابط ذات صلة:
دور المسجد في المجتمع الإسلامي
التخطيط الدعوي الاستراتيجي للمساجد في المدن الكبرى
كيف يعالج الداعية الاغتراب الأسـري وفجوة الأجيال في العصر الرقمي؟