الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الأخلاق والمعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
13 - رقم الاستشارة : 6095
11/10/2026
أنا شاب متخرج حديثًا، وأعمل في وظيفة مكتبية. ألاحظ على نفسي رغبة مستمرة في أن يكون رأيي هو الغالب والنافذ في مختلف المجالس والنقاشات، ولا يقتصر الأمر على المسائل الكبرى أو المصيرية، بل يمتد ليشمل أبسط التفاصيل وأقلها شأنًا؛ ففي الجلسات الأسرية العادية، أو عند اتخاذ قرار عائلي بسيط كاختيار مكان نزهة، أو ترتيب المنزل، أو حتى في تفاصيل نقاشية صغيرة مع زملاء العمل، أجد في نفسي إصرارًا غريبًا على ألا يُردّ لي رأي.
إن حدث وتم اختيار رأي غير رأيي، تتسرب إلى داخلي مشاعر انزعاج وضيق، وربما أدخل في جدال لا طائل منه للانتصار لوجهة نظري فقط لمجرد الإثبات. يؤلمني هذا السلوك، وأخشى ألا يكون ذلك مجرد عناد عابر، بل بابًا خفيًا من أبواب الكبر أو العُجب بالنفس.
ولكن ما يزيد الأمر إشكالًا أني أخشى إن تخلَّيت عن هذا الإصرار أن يُفسر تنازلي على أنه ضعف في الشخصية، أو أن أفقد احترامي وحضوري بين من أتعامل معهم، بحيث يُصبح من السهل تجاوز آرائي في كل شيء.
فكيف أستطيع تهذيب نفسي والتخلص من هذه الرغبة الملحة في الاستعلاء والسيطرة على آراء الآخرين في التفاصيل اليومية، وكيف أحقق التواضع دون أن يؤدي ذلك إلى ضياع شخصيتي؟
مرحبًا
بك يا ولدي، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يشرح صدرك، ويطهِّر
قلبك، ويزكِّي نفسك، ويرزقك خُلُقًا حسنًا وقلبًا سليمًا، وأن يجعلك من الذين
يراجعون أنفسهم فيُصلحونها قبل أن يُحاسَبوا، وبعد...
قراءة
هادئة لما تشعر به
الذي
وصفته أن عندك اعتزازًا بنفسك واعتدادًا لرأيك، فإذا رُدَّ رأيك شعرتَ بأنك أنت
الذي رُدِدت. ولهذا ينزعج الإنسان من ردِّ رأيه في تفاصيل تافهة كمكان النزهة
وترتيب الأثاث. فالمسألة عنده: «هل لي قيمة؟ هل يُحسب حسابي؟». وهذا شائع عند
الشباب حديثي التخرج والتوظف؛ إذ يريد الواحد منهم أن يثبت نفسه ويُرى ويُسمع.
وهذه
الرغبة في أصلها فطرية، فالنفس تحب الظهور والتقدير. لكنها إذا تُركت بلا تهذيب
صارت سيِّدة بعد أن كانت خادمة، وقد قال يوسف عليه السلام: ﴿إِنَّ النَّفْسَ
لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: 53]. وقال سبحانه:
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ
الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 40 و41]. فالمطلوب شرعًا أن تُهذَّب النفس
وتُوجَّه، لا أن تُقتل رغبتها في الظهور.
هل
هو كِبر؟
لقد
عرَّف النبي ﷺ الِكبر تعريفًا جامعًا، فقال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال
ذرة من كِبر»، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة. فقال ﷺ: «إن
الله جميل يحب الجمال، الكِبر بطر الحق وغمط الناس» [رواه مسلم]. فالكبر إذن
شيئان: رفض الحق بعد وضوحه، واحتقار الناس والاستخفاف بهم.
ولهذا
فإن الاعتداد بالرأي وحده ليس كبرًا، فمن كان له رأي مدروس وعرضه بأدب فليس
متكبرًا، ومن أحب أن يكون مظهره حسنًا ولم يرد الاستعلاء فليس متكبرًا كذلك، كما
بيَّن الحديث.
أما الجدال للانتصار فقط فهو المِراء المذموم، وقد
قال النبي ﷺ: «إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» [متفق عليه]. وقال: «ما ضلَّ
قومٌ بعد هدًى كانوا عليه إلا أُوتوا الجدل» [رواه الترمذي].
كذلك رفض رأي الآخر لمجرد أنه رأي الآخر هو قريب من الكِبر، فإذا بلغ بك الأمر
أن ترد الصواب بعد وضوحه لأنه جاء من غيرك، فقد دخلت باب بطر الحق.
لماذا
يخاف الإنسان من التواضع؟
هنا
أصل الإشكال: إنك يا ولدي تظن أن التنازل عن الرأي ضعف في الشخصية، وأن الناس
سيستسهلون تجاوزك. وهذا فهم مغلوط للتواضع، فالتواضع ليس ضعفًا، وأقوى
شخصية في التاريخ البشري كان نبينا ﷺ، وكان أشد الناس تواضعًا. تذكر قصة صلح
الحديبية: أصحابه كلهم كانوا يرون الشروط ظالمة، وقَبِل النبي ﷺ أن يُمحى من العقد
«رسول الله» وأن تُكتب عبارة «باسمك اللهم»، ويقبل بنودًا ظاهرها الغبن، ثم أنزل
الله بعد ذلك: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: 1]. وبعد الصلح
تردد الصحابة في النحر والحلق، فأخذ ﷺ برأي زوجته أم سلمة -رضي الله عنها-
ونفَّذه، فاتبعه الناس. فأين الضعف في رجل يعدل عن كتابة صفته في الوثيقة ليحقق
مصلحة أعظم، ثم يأخذ برأي زوجته في أصعب لحظات قيادته؟!
ويقول
النبي ﷺ: «وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله»
[رواه مسلم]. فالعزّ والرفعة موعودان لمن تواضع، والذي يظن أن التواضع يُسقط هيبته
ينكر وعد النبي ﷺ.
القوة
الحقيقية في ملك النفس
قال
ﷺ: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» [متفق عليه].
فالقوي من يستطيع أن يقول: «لا بأس، لنأخذ برأيك» وهو قادر على المجادلة، لا من
يضيق صدره كلما خولف. ومن لا يستطيع التنازل عن أتفه الأمور فهو في الحقيقة أسير
لرأيه.
ولا
يعني ذلك أن تذوب شخصيتك أبدًا، فالمطلوب أن تتنازل فيما لا يستحق
الجدال، وأن تثبت على ما يستحقه.
وعمليًّا
يا ولدي، الإكثار من الجدال يُضعف هيبتك، لا العكس! تخيل معي زميلين
في مكتب واحد: الأول يجادل في كل شيء، فيعتاد زملاؤه عليه حتى لا يأخذوا اعتراضه
على محمل الجد. والثاني يتنازل في الأمور الصغيرة بطيب نفس، فإذا اعترض يومًا على
أمر مهم أنصتوا له؛ لأنه لا يعترض إلا لسبب. فمن يوفِّر قوته للمواقف المهمة يكون
وزنه أثقل ممن يستهلكها في كل شيء. وهذا عكس ما يتوهمه كثير من الناس.
وقد
جمع أبو بكر رضي الله عنه بين الأمرين في أول خطبة له خليفةً: «أما بعد أيها
الناس، فإني قد وُلِّيتُ عليكم ولستُ بخيركم، فإن أحسنتُ فأعينوني، وإن أسأتُ
فقوِّموني». وهو نفسه الذي وقف كالجبل في حروب الردة حين تراجع الجميع. فتواضعه في
الأسلوب لم يُنقص من صلابته في المبدأ.
التفرقة
بين ثلاثة مستويات للآراء
أنصحك
يا ولدي بأن تضع في ذهنك هذا التقسيم لتحكم به على المواقف:
1-
الثوابت: الحلال
والحرام، والأخلاق، والأمانة، وحقوقك الواجبة وحقوق الآخرين. هنا تثبت وتبيِّن
بوضوح وأدب ولا تتنازل.
2-
المصالح المهمة: قرار
مهني يخصك، أو خيار عائلي مؤثر. هنا تعرض رأيك بالحجة والدليل، وتصغي للآخرين،
فإذا استقر القرار على غير ما رأيت فتقبَّله بسعة صدر ما دام لا معصية فيه.
3-
التفضيلات: مكان النزهة، ترتيب الغرفة، تفاصيل النقاش الجانبية.
هنا تتنازل عن قصد، وقد تقول: «رأيي كذا، لكن اختاروا ما يريحكم».
والمشكلة
التي تصفها أنك تعامل المستوى الثالث كأنه الأول! فتدرَّب على أن تضع كل قضية في
مستواها قبل أن تنفعل.
خطوات
عملية لتهذيب نفسك
1-
راقب نفسك أسبوعين: دوِّن في ورقة أو على الهاتف كل موقف
انزعجتَ فيه لردِّ رأيك: ماذا كان؟ وما شعورك؟ وماذا قلت؟ وما الدافع الحقيقي؟
كثيرًا ما تتضح بعد أيام قليلة أنماط متكررة: مثلًا أنك تنفعل أكثر أمام أشخاص
بعينهم، أو في أوقات التعب.
2-
توقف قليلًا قبل الرد: قبل أن تردَّ على رأي خالفك، خذ نَفَسًا
واسأل نفسك: هل أدافع عن الحق أم عن نفسي؟ وهل يستحق هذا الموضوع الجدال؟ وهل
يستحق توتر العلاقة؟ فإن كان الجواب: «أدافع عن نفسي» فاسكت.
3-
قل رأيك مرة واحدة بأدب: اعرض رأيك بوضوح مرة واحدة، مع سبب واحد
أو اثنين، ثم سلِّم الأمر للمجموع. بهذا تحفظ شخصيتك لأنك عبَّرت، وتتخلص من
المراء لأنك لم تُصرّ. وقد وعد النبي ﷺ: «أنا زعيم ببيت في رَبَض الجنة لمن ترك
المراء وإن كان محقًّا» [رواه أبو داود]. تأمل: يترك المراء وهو محق، فكيف إن كان
في أمر لا يُعرف فيه حق من باطل أصلًا؟
4-
تدرَّب على التنازل: اختر موقفًا صغيرًا كل يوم، كمكان الغداء
أو ترتيب الأوراق أو مكان الجلوس، ودع غيرك يختار. وستشعر بضيق في أول الأمر، ثم
يضعف الضيق مع التكرار حتى تتعجب أنك كنت تتألم لذلك. وتذكر قول الله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69]
5-
اسأل واستمع لتفهم لا لترد: ابدأ نقاشاتك بسؤال: «ما رأيكم؟» ثم أصغِ
جيدًا، وقل ما وجدته جيدًا في رأي غيرك قبل أن تعرض رأيك. وقد قال تعالى لنبيه ﷺ:
﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، وقبلها: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ
لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل
عمران: 159]. فمن أراد أن يجتمع الناس حوله فلْيَلِنْ لهم، فاللين سبب لاجتماع
القلوب لا لتفرقها. وفي كتب السيرة أن النبي ﷺ نزل يوم بدر منزلًا، فسأله الحُباب
بن المنذر: أهو وحي أم الرأي والحرب والمكيدة؟ فلما علم أنه الرأي أشار بمنزل آخر،
فأخذ به النبي ﷺ. وفي أُحُد كان رأيه ﷺ البقاء في المدينة، لكنه نزل على رأي
الأكثرية بالخروج. فإذا كان سيد الخلق يأخذ برأي غيره في الحرب، أفلا نأخذ نحن
برأي غيرنا في مكان النزهة؟!
6-
تذكَّر أن عِلمك محدود: قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ
عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]، وقال: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾
[الإسراء: 85]. وتأمل قصة موسى -عليه السلام- لما سُئل: أيّ الناس أعلم؟ فقال:
أنا. فعتب الله عليه إذ لم يردَّ العلم إليه، وأرشده إلى عبد عنده علم لا يعلمه
موسى، فرحل إليه وتعلَّم منه وتواضع له. فإذا كان نبي كريم قد تعلَّم أن عند غيره
ما ليس عنده، فنحن أولى.
7-
قم بأعمال المتواضعين: سُئلت عائشة رضي الله عنها: ماذا كان
النبي ﷺ يصنع في بيته؟ فقالت: «كان يكون في مِهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى
الصلاة» [رواه البخاري]. فاخدم أهلك في البيت، وساعد في الأعمال الصغيرة، وتعوَّد
أن تقدِّم الآخرين. فالتواضع يتحول إلى خُلُق راسخ بالأفعال أكثر مما يتحول
بالنصائح. وقال ﷺ: «وإن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا
يبغي أحد على أحد» [رواه مسلم].
8-
اربط قيمتك بأمور غير الفوز في النقاش: من
كان إحساسه بقيمته مبنيًّا على علاقته بربه، وكفاءته في عمله، وخُلُقه، وخدمته
للناس، لم يحتج أن يغلب كل مُحاور. ومن كانت قيمته معلَّقة برأي يجب أن يسود، كان
كل خلاف تهديدًا له. وكان الإمام الشافعي -رحمه الله- يقول: «ما ناظرتُ أحدًا
فأحببتُ أن يُخطئ». فقد كان يرى أن المناظرة بحث عن الحق، لا مباراة يريد أن يفوز
بها.
9-
جَهِّز عبارات جاهزة للمواقف: قال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾
[البقرة: 83]، وقال: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
[الإسراء: 53]. وكثيرًا ما نخسر لأننا لا نجد في اللحظة الصعبة
ما نقوله. وهذه أمثلة لهذه العبارات:
- في الأسرة: «أميل إلى مكان كذا، لكن
إن اخترتم غيره فهو مناسب لي».
- في العمل: «رأيي كذا للأسباب
التالية، وأنا مرتاح لما يقرره الفريق».
- عند الخلاف: «فكرتك فيها وجهة نظر
جيدة، فدعنا نجرِّبها».
- عند الشعور بالانفعال: «دعني أفكر
قليلًا ثم أرد عليك».
10-
استعن بالدعاء: فالقلوب بيد الله، ومن أعظم ما تدعو به: «اللهم كما
حسَّنتَ خَلْقي فحسِّن خُلُقي» [رواه أحمد]، و«اللهم إني أعوذ بك من منكرات
الأخلاق والأعمال والأهواء» [رواه الترمذي]. وأكثر من السجود والتضرع في الخلوات،
فإن السجود يذكِّر العبد بحجمه الحقيقي.
وختامًا
يا بني، تذكَّر أن التواضع قوة، وأن الصلابة في الثوابت لا تنافي المرونة في
التفضيلات، وأن من أراد الرفعة عند الله وعند الناس فطريقها أن يتواضع لله.
وتواضعك لا يعني أن تكون بلا رأي، بل أن تكون صاحب رأي لا يستعبده رأيه. وقد قال
تعالى عن عباد الرحمن: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى
الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان:
63]، فهم أقوياء في إيمانهم وأخلاقهم، ومع ذلك يمشون هونًا.
أسأل
الله أن يزيِّنك بالحلم والتواضع، وأن يطهِّر قلبك من الكِبر والعُجب وحب الظهور،
وأن يرزقك سعة الصدر وحسن الإصغاء، وأن يجعلك قويًّا في الحق ليِّنًا مع الخَلق،
وأن يبارك لك في وظيفتك وأسرتك وعمرك. وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد،
وعلى آله وصحبه أجمعين.
روابط
ذات صلة: