الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
15 - رقم الاستشارة : 5498
02/08/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أنا عضو مجلس إدارة ورئيس اللجنة المالية في مؤسسة دعوية تعليمية كبرى تُعنى بكفالة الدعاة وطباعة الكتب الشرعية ونشر الوعي الإسلامي. أتوجّه إليكم بهذه الاستشارة لوجود أزمة تمويلية خانقة تهدد جمعيتنا بالتوقف؛ وهي ظاهرة "الجمود والقصور الحاد في آليات ووسائل علاج مشكلة الموارد المالية للدعوة".
المشكلة تكمن في أن لجنتنا المالية لا تزال تعتمد في جلب الموارد على آليات وعفوية قديمة جدًّا، مثل وضع صناديق التبرعات في المساجد، أو الانتظار التقليدي للمحسنين وكبار المانحين في مواسم الخير كرمضان، أو استجداء الدعم بطرق بدائية أرهقت فريق العمل وأظهرت الدعوة بمظهر العوز والحاجة الدائمة.
في المقابل، نعاني من تصاعد رهيب في تكاليف كفالات الدعاة والمشروعات الميدانية، وضغوط الشروط التنظيمية للمانحين؛ وحين نقترح على أعضاء مجلس الإدارة الانتقال نحو سبل التمويل الرقمي المعاصر، أو الاستثمار الوقفي الذكي، أو الشراكات التنمويّة الشاملة، نُجابه بالرفض والتخوف من الخروج عن المألوف والجهل بالتقنيات الإدارية المعاصرة، مما تسبب في عجز مالي متكرر وانقطاع لكثير من المشاريع الحيوية..
كيف يمكننا من خلال تطوير مناهج الدعوة ووسائلها تحديث وتطوير الفكر المالي للمؤسسات الدعوية؟ وكيف نصيغ خارطة طريق عملية وتطبيقية تجمع بين الأصالة الشرعية للعمل الخيري ومعاصرة الأدوات الاستثمارية والتقنية المعاصرة لتحقيق الكفاية المالية واستدامة المشاريع؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، حياكم الله وبيَّاكم أيها المستشار الفاضل والمسؤول المبارك،
وشكر الله لك هذا الحرص والأمانة الكبيرة في السعي لتطوير وبناء الملاءة المالية
للعمل الدعوي؛ فإن تشخيصك الدقيق لخلل "جمود آليات التمويل الدعوي" يمسّ
صميم العمل المؤسسي الاستراتيجي المعاصر؛ إذ إن عجز الوسائل المالية عن مواكبة
التحولات يؤدي حتمًا إلى انحسار الأثر الدعوي وضياع الثغور التربوية المهمة للأمة
في عصر الزخم المعرفي والتقني الشاق.
إنّ الشريعة
الإسلامية الغراء جاءت بأحكام ومقاصد تحث بقوة على إتقان الوسائل، وبناء القوة
المادية للحق، وتحقيق الاستدامة والكفاية للمصلحين والعاملين في سبيل الله
ليتفرغوا لرسالتهم السامية بكرامة واستقلال تام؛ ومن يتأمل التاريخ الإسلامي
والفقه الأصولي المحكم يجد أن الأوقاف الاستثمارية الذكية (كالزارع، والعقارات،
والأسواق الوقفية) كانت هي العصب المالي المحرك لحضارة الإسلام ومدارسه ومساجده
ودعاته لقرون طويلة دون عوز أو اضطرار للمكتسبات الوقتية العابرة.
وتأمل هدي النبي
ﷺ حين وجه عمر بن الخطاب رضي الله عنه لاستثمار أرضه بخيبر وقفًا مستدامًا فقال
له: «إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا...» [متفق
عليه]؛ فالتصديق بالريع مع حبس الأصل واستثماره هو أرقى نماذج الإدارة المالية
المستدامة المعاصرة.
والعمل المؤسسي
الدعوي اليوم أحوج ما يكون لتطبيق هذا الفقه الوقفي الاستثماري؛ فإن الاقتصار على
الوسائل البدائية والعفوية واستجداء الأموال بطرق تخدش هيبة الدعاة هو سوء تدبير
وقصور حاد في فهم التطور التنظيمي والوسائل المعاصرة المباحة، والله تعالى يقول في
كتابه الكريم حثًّا على البناء وإعداد القوة الشاملة: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا
اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]، والقوة المالية التنموية المستقلة
هي عصب الإعداد في هذا العصر.
إن التطوير
والتحديث يفرض على مجالس إدارات المؤسسات الدعوية التخلص من عقلية "الخوف
والجمود التنظيمي" والانتقال الشجاع والمنضبط نحو مربع "الهندسة المالية
والتحول الرقمي والاستثمار الوقفي الشامل"؛ فيجب أن يدرك قادة العمل الدعوي
أن الاستثمار المالي المباح وتوظيف التقنيات الرقمية الحديثة لجلب التمويل
التشاركي وتأسيس أوقاف مرنة معاصرة هو واجب تشغيلي تفرضه متطلبات استدامة الرسالة،
طالما سار تحت إشراف لجان شرعية وفنية متخصصة تضمن النقاء التام للأموال والسلامة
من المعاملات المشبوهة.
ومن الناحية
الميدانية والتطبيقية لتطوير المنظومة المالية في مؤسستكم المباركة، نوصي باتخاذ
القرارات التنفيذية التالية:
أولاً: تأسيس
"قطاع الاستثمار وتنمية الموارد الرقمية" بالمؤسسة، يضم كفاءات تخصصية
في الاقتصاد الإسلامي، والتسويق الرقمي، وإدارة المحافظ الوقفية، وتفكيك التبعية
الكلية لآليات الصناديق القديمة.
ثانيًا: إطلاق
"المنصة الرقمية للتمويل الجماعي الدعوي التشاركي (Crowdfunding)"
تابعة للمؤسسة بضوابط قانونية رسمية، تتيح لعموم المسلمين في مختلف أنحاء العالم
المساهمة بأسهم مالية صغيرة وذكية ومستمرة (كسهم كفالة داعية، أو سهم طباعة كتاب،
أو الوقف الرقمي) عبر تطبيقات الهواتف وبوابات الدفع الإلكتروني الميسرة، مما يضمن
تدفقات مالية متعددة وواسعة النطاق ليل نهار.
ثالثًا: التخطيط
لبناء "الوقف العقاري أو التجاري الاستثماري للمؤسسة"؛ من خلال رصد جزء
من فوائض التبرعات العامة أو إطلاق حملة وقفية كبرى مخصصة حصريًّا لشراء أصول
ومبان تجارية أو أسهم استثمارية منخفضة المخاطر يُحبس أصلها ويُوجه ريعها بالكامل
لتغطية الرواتب الثابتة والنفقات التشغيلية للمؤسسة، مما يحقق لها الاكتفاء الذاتي
والاستقلالية التامة في قرارها الدعوي.
وأنصحك
ختامًا بما يأتي:
• صِغ مقترحًا
ماليًّا وتنظيميًّا متكاملاً واحترافيًّا يوضح "الجدوى الاقتصادية والشرعية
لمشاريع التحول الرقمي والاستثماري الوقفية" واعرضه في اجتماع مجلس الإدارة
مشفوعًا بدراسات حالة لجمعيات إسلامية وعالمية نجحت في تحقيق الاكتفاء المالي
لتذيب تخوفات الأعضاء بالواقع العملي.
• احرص على تفعيل أقصى درجات "الشفافية
والحوكمة المالية والإدارية الشاملة" داخل المؤسسة، من خلال نشر تقارير مالية
دورية مدققة من مكاتب محاسبة قانونية معتمدة؛ فالشفافية التامة هي المغناطيس
الأكبر لجذب وثقة المانحين والداعمين في العصر الحالي.
• لا تتردد في كفالة وتفريغ الكوادر البشرية
المتميزة في الجوانب التسويقية والإدارية بالمؤسسة وتقديم رواتب عادلة وتنافسية
لهم، فالإتقان التنظيمي المعاصر يتطلب كفاءات محترفة مفرغة لبناء الموارد.
وأسأل الله
العظيم، رب العرش الكريم، أن يفتح لمؤسستكم أبواب فضله وسعة رزقه، وأن يمدكم
بالعون والسداد والتوفيق، ويجعل أموالكم وأوقافكم مباركة مستدامة عونًا على نصرة
الدين وهداية العباد، ويرزقكم الإخلاص والقبول في الدنيا والآخرة.
روابط ذات صلة: