كيف ننمي ثقافة الحوار في المجتمع؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 419
  • رقم الاستشارة : 2569
31/08/2025

كيف ننمى ثقافة الحوار في عقولنا وأنفسنا ومجتمعنا؟ وهل نحتاج إلى ثقافة الحوار في حياتنا؟ وكيف يؤثر غياب تلك الثقافة على نشوء التشاحن والبغضاء بين أبناء الأمة الإسلامية؟

الإجابة 31/08/2025

أخي الكريم، أحييكم على هذا السؤال، الذي يعالج ثغرة موجودة في حياتنا الفكرية والاجتماعية، وهي ضعف ثقافة الحوار، وتحول الحوار إلى حالة من الشقاق والعداء والخصام؛ بل والاقتتال في بعض الأحيان.

 

والحقيقة أن غياب ثقافة الحوار انعكاس لضعف الحُجة وقلة العقل وأزمة الضمير وترسخ ثقافة الاستعلاء وامتلاك الحق وربما احتقار الآخر، فكلما ضاق عقل الإنسان ونفسه، أصبح أقل قدرة على سماع الآخر وتفهم منطقه والتماس أن ذلك الآخر قد يمتلك بعض الحق وجانبًا من الحقيقة ينبغي أن يُراعى عند الجدال والحوار.

 

القرآن الكريم كان حواريًّا بامتياز، ولذلك كثرت في القرآن كلمة (قال، وقالوا، وقلن، وقالا، ويقولون...)، كما أن القرآن أثبت كلام المخالفين له في العقيدة والشريعة، حتى كلام إبليس -عليه لعنة الله- أثبته القرآن بما فيه من تبجح وكفران ومعصية، وحتى كلام الذين ادّعوا أن لله ولدًا، أثبته القرآن وناقشه نقاشًا فنّد فيه حججهم ودحضها وأثبت وحدانية الله تعالى، ورغم روح القرآن العظيمة في التحاور فإن البعض من المسلمين، بل وربما دعاة الإسلام يضيق صدرهم بالحوار.

 

ضرورة ثقافة الحوار

 

أما بخصوص سؤالكم كيف نعزز ثقافة الحوار في مجتمعنا، فنؤكد أن ثقافة الحوار ضرورة وليست أمرًا ثانويًّا في حياتنا، وهي ضرورة لعافية المجتمعات وسلامتها، وضرورة كذلك للصحة العقلية والنفسية.

 

يعرف البعض ثقافة الحوار بأنها "مفهوم يصف كيفية تفاعل الناس مع بعضهم البعض أثناء التواصل لتحقيق التفاهم المتبادل وحل المشكلات، وتتضمن ثقافة الحوار: الاحترام المتبادل، والاستماع إلى الطرف الآخر، وفهم موقفه، وبذل الجهود للتوصل إلى حلول وسط".

 

يؤكد علماء الأعصاب أن الحوار العدائي يؤدي إلى إفراز الكورتيزول -وهو هرمون التوتر والذي يحفز الإنسان للهروب أو المواجهة- أما الحوارات الإيجابية فتؤدي إلى إفراز هرمونات (الأوكسيتوسين والدوبامين والسيروتونين)، وهي ترتبط بالسعادة والحب وتحسن الحالة المزاجية.

 

تعزيز ثقافة الحوار

 

وفي تلك الاستشارة نصيحتان مهمتان لتعزيز ثقافة الحوار في المجتمع، هما:

 

* تخطي حاجز امتلاك الحقيقة: فالشخص الذي يرغب في الحوار يجب أن يكون باحثًا عن الحق والحقيقة، وألا يظن في نفسه أنه يمتلك الحقيقة الكاملة؛ لأن ذلك يؤدي إلى استهانته بالآخر، وعدم أخذه للحوار بجدية، ولذا ينصح خبراء التنمية البشرية بضرورة الدخول إلى الحوار بروح السؤال لا الإخبار والإملاء، أي أن يكون حوارك من أجل التعلم والوصول إلى الحقيقة، وليس بغرض إملاء الآراء؛ لأن هذا الإملاء سيقود، في الغالب، إلى إجبار الطرف الآخر على تبني الآراء، وسيقود إلى استخدام العنف اللفظي أو الجسدي.

 

يشير علماء الأعصاب إلى أن أجسادنا تتغير عندما نكون مهووسين بفكرة الصواب، فعندما يتغلب إصرارنا على أننا نمتلك الصواب في الحوار، فإن ذلك يخلق أحاديث أحادية الجانب، وللخروج من تلك الحالة يجب أن يكون حوارنا طريقًا نجيد فيه الكلام والاستماع معًا، مع وجود استعداد لتقبل آراء ووجهات نظر الطرف الآخر.

 

* الإنصات العميق والاستماع الجيد: هذا السلوك الأخلاقي والحضاري من أساسيات تنمية ثقافة الحوار في المجتمع، فبدون إنصات لن يكون هناك تواصل أو تعقل أو فهم لما يدور من حوار، كما أن الاستماع يقلل سوء الفهم، يقول الأديب "باولو كويلو": "إن الإنسان الذي لا يعرف أن يُصغي لا يمكنه سماع النصائح التي تعطيها له الحياة في كل لحظة".

 

أما علماء التربية فيؤكدون أن الاستماع له فوائد، منها: تقليل سوء الفهم، وخلق حالة من التعاطف تعزز التواصل الإنساني؛ نظرا لأن الرسائل والكلام يصلان بصورة صحيحة.

 

ومن وسائل تحسين الاستماع، الاحتفاظ بتواصل بصري مع الشخص المتحدث، فهذا التواصل يشعر المتحدث بأنك تقدر ما يقول وتسعى إلى فهمه، ورغم أهمية الإنصات أثناء الحوار فإنه من المهارات التي لا تحظى بالتطبيق في الكثير من الحوارات، حيث تكثر مقاطعة المتحدث، أو ضعف الاهتمام بما يقول، أو حتى إرسال رسائل غير لفظية بأن ما يقوله لا يحظى باهتمامك، وهو ما يشكل عقبة كئود أمام أي حوار ناجح، وكما يقولون: "تكمن جودة الثقافة في جودة الحوارات".

الرابط المختصر :