كيف هيمن المؤثر الرقمي على مفاتيح التأثير في المجتمع؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 3
  • رقم الاستشارة : 5962
27/09/2026

كيف أزاح المؤثر الرقمي المثقفين والمفكرين عن منابر التوجيه والإرشاد في المجتمع وما تأثير ذلك على الثقافة؟

الإجابة 27/09/2026

أخي الكريم، أحدثت الرقمية تغيرات عميقة في الفضاء العام، فاستطاعت تغيير النخب المؤثرة في المجتمع، فانتقلت مراكز التأثير والتوجيه من المثقف والمفكر والفيلسوف إلى ما يسمى بـ"المؤثرين" على مواقع التواصل الاجتماعي، والذين يتابعهم مئات الألوف؛ بل ملايين الأشخاص، دون أن يمتلك هؤلاء عمقًا ثقافيًّا أو فكريًّا، وهؤلاء يستمدون شرعيتهم من أعداد المتابعين وعدد مرات الإعجاب، وليس مما يطرحونه من أفكار ورؤى.

 

ولعلنا هنا نتذكر مقولة الفيلسوف الكندي الشهير "آلان دونو" في كتابه "عصر التفاهة"، وهو يصف تلك الحالة الثقافية التي يشهدها العالم في ظل الطغيان الرقمي: "إن تدمير الذوق العام، والارتقاء بالتفاهة إلى مصاف التميز، هما الشرطان الأساسيان لازدهار النظام المعاصر.. لقد أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي تمنح التافهين منصات قيادة وتأثير، لا لأنهم يملكون فكرًا، بل لأن تفاهتهم تدر أرباحًا للمنصات"، أما الفيلسوف الإيطالي "أمبرتو إيكو" فشبّه هذا التحول بأنه "غزو البلهاء".

 

من هم المؤثرون الرقميون؟

 

أخي الكريم، المؤثرون  الرقميون  هم أشخاص يمتلكون القدرة على التأثير في آراء، وسلوكيات، وقرارات جمهورهم عبر منصات التواصل الاجتماعي، وبخاصة قرارات الشراء، وتأتي هذه القدرة نتيجة بناء علاقة ثقة وتفاعل مستمر مع متابعيهم، حيث يُنظر إليهم كخبراء أو كأشخاص ملهمين في مجالات متخصصة، ويتميز هؤلاء بقدرتهم على تقديم محتوى جذاب ومستمر، من فيديوهات وتعليقات وصور، وقدرتهم على مخاطبة جمهور يتقاطع اهتمامهم مع ما يقدمونه، وهؤلاء أصبحوا ينسجون علاقات مع الشركات والعلامات التجارية، وعبر هؤلاء المؤثرين يتم تسويق منتجات الكثير من الشركات.

 

يطلق لقب مؤثر في العالم الرقمي على الشخص الذي يتميز بتفاعل جماهيري يبدأ من الألف، لنصل إلى المؤثر الذي يتميز بالتأثير الواسع وربما العالمية والذي يسمى بـ "الميجا" (Mega) والذي يتخطى حاجز المليون.

 

لماذا هيمن المؤثرون على الوعي؟

 

أخي الكريم، من الضروري إدراك أن هيمنة المؤثرين على مفاتيح التأثير الجماهيري له أسباب متنوعة، منها:

 

* سيادة ثقافة مجتمع الاستهلاك: هذا التحول الطاغي نحو المادية ذات الوجه الاستهلاكي، صرف اهتمام قطاعات كبيرة من الناس وبخاصة الشباب للبحث عن الأفكار السطحية والمرتبطة باللذة والمتعة، والغارقة في الرغبة في المشاهدة، وهذا الاهتمام هو ما يشبعه هؤلاء المؤثرون، ومن الناحية الأخرى فقد تحول التأثير إلى مجال للربح والمكاسب الضخمة في العالم الافتراضي، وهذا شجّع الكثير من الشباب وراغبي الربح السريع والضخم لصرف طاقاتهم في العالم الافتراضي ليكونوا من طائفة المؤثرين.

 

* سيادة ثقافة الاستعراض: تحدث الكاتب الفرنسي "غي ديبور" عن طغيان ثقافة الاستعراض في العالم الافتراضي وفي المجتمع عامة، وهذه الثقافة تشجع الاستهلاك، ومتابعة الموضات، وهي فكرة تحدث عنها "غي ديبور" والمفكر الشهير "إرك فروم" و"آلان دونو" من أن الإنسان المعاصر تحول من البحث عن "الوجود" إلى البحث عن "الامتلاك"، والمثقف ربما يُلبي حاجة التعرف على الوجود والبحث عن معنى، أما المؤثر فهو يلبي رغبة الامتلاك والامتلاء واللذة والمتعة وهي رغبة تتماشي مع الايقاع السريع للحياة المعاصرة.

 

وختامًا أخي الكريم، يجب أن تحرص في العالم الافتراضي أن تكون لك شخصيتك المميزة التي تتابع المفيد والنافع، حتى أثناء بحثك عن الترفيه، وأن تحرص على متابعة عدد من مواقع وصفحات الكتاب والمفكرين المتميزين وذوي الآراء الجادة، حتى تتمكن من انتشال وعيك وذهنك وفكرك من فخ السطحية والضحالة الذي يملأ العالم الافتراضي، ولعل من المفيد أن تتأمل مقولة العالم اللغوي الشهير "نعومي تشومسكي"  لتخرج من مأزق الوعي السطحي: "الهدف الأساسي لوسائل الإعلام والمنصات الحديثة هو جعل الناس يركزون على أشياء تافهة ومبتذلة، بحيث لا يملكون الوقت أو العمق للتفكير في القضايا الحقيقية التي تشكل مصيرهم. إنها هندسة للوعي السطحي".

 

موضوعات ذات صلة:

هل يساهم الإعلام في نشر السطحية والضحالة الفكرية؟

السيولة الفكرية.. هل غابت الثوابت عن الإنسان المعاصر؟

كيف نتجاوز ظاهرة الاغتراب الرقمي بين الشباب؟

ما هي الصدمة الثقافية وكيف تؤثر على التفكير؟

 

التعليقات

الرابط المختصر :