الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
11 - رقم الاستشارة : 5315
13/07/2026
ألاحظ أن بعض الشباب يعيش حالة إدمان للعمل فوقته مشغول دوما بالعمل والتفكير في العمل.. فهل هذا يؤثر على مستوى السعادة للإنسان؟
أخي
الكريم، يقول
الأستاذ في جامعة "هارفارد" "آرثر سي. بروكس" في كتابه
"من قوة إلى قوة": "إن أحد أسوأ أنواع الإدمان وأكثرها فتكًا
التي رأيتها هو إدمان العمل".
أخي
الكريم، القاعدة
التي يجب ألا تغادر أذهننا في علاقتنا مع العمل هي "أننا نعمل لنعيش، وليس
نعيش لنعمل"؛ فتحول العمل من سبيل لتحصيل الرزق الحلال الطيب وصيانة النفس عن
سؤال الآخرين، ليكون حالة إدمانية أمر مزعج ومكلف صحيًّا ونفسيًّا واجتماعيًّا، إذ
يقضي الإنسان نهاره في العمل، وليله في التفكير فيما أنجزه وما سينجزه في الغد.
إدمان
العمل يناهض السعادة
أخي
الكريم، إدمان
العمل قد لا يختلف عن الشراهة للطعام والاستهلاك واللهاث لجمع المال، فهو سلوك خرج
عن حد الاعتدال والاتزان نحو التطرف والابتذال، فصار يناقض الفضيلة ويسلب السعادة،
ويدمر العلاقات الاجتماعية والإنسانية، ويحول الإنسان إلى ما يشبه الآلة التي لم
تصنع إلا للعمل فقط.
وقد ظهر مفهوم الإدمان على العمل في الإرث الثقافي الكوري فيما سمي بـ "الغواروسا" gwarosa، وهي حالة إدمان العمل التي قد تؤدي إلى الوفاة المفاجئة، ويُعرّف "مدمن العمل" بأنه "شخصٌ أصبحت حاجته للعمل مفرطة لدرجة أنها تُسبب اضطرابًا أو تداخلًا ملحوظًا في صحته الجسدية، وسعادته الشخصية، وعلاقاته الاجتماعية، وسلاسة تفاعله الاجتماعي".
وقد خلصت دراسة نشرت عام 2023 بعنوان "السمات العصبية والنفسية لإدمان العمل"، إلى عدة نقاط بالنسبة لإدمان العمل، منها:
*
وجود مستويات أعلى من الاندفاعية والوسواس القهري لدى الأشخاص المدمنين على العمل.
*
أن البحوث التجريبية أكدت على العواقب والأعراض السلبية لهذا الإدمان السلوكي؛ إذ
يُمكن أن يُسبب اضطرابات في الصحة والعلاقات الاجتماعية، وأنه يتشابه مع اضطرابات
الإدمان الأخرى على المستويين النفسي والجسدي.
*
أن الإدمان على العمل يُصيب شريحة واسعة من السكان، حيث تتراوح نسبة انتشاره بين
7.3 % و39.7% بحسب البلدان.
ويظن
البعض أن مدمن العمل شخص متفان وشديد الإفادة لوظيفته أو مهنته، لكن الواقع أن هذا
النوع من الإدمان يؤدي إلى حالة إجهادية، قد تؤثر على قدرة الفرد الإنتاجية، فيصبح
عبئًا على العمل، وهذا ما أكده كتاب "إعادة العمل" تأليف "جيسون
فريد" الذي
قال: "لا يُنجز مدمنو العمل في الواقع أكثر مما يُنجزه غيرهم. قد يدّعون
الكمال، لكن هذا يعني ببساطة أنهم يُضيّعون وقتهم في التركيز على تفاصيل غير مهمة
بدلاً من الانتقال إلى المهمة التالية".
والعلاقة
مع العمل يجب أن تكون واضحة فلا يطغى العمل على حياة الإنسان الخاصة ويسلبه
سعادته، ويقتطع من علاقته مع أسرته وعائلته، ولذلك عليك أن تراقب دوافعك قبل
أن تسيطر عليك؛ ففي بعض الأحيان تسيطر الدوافع والرغبات، حتى ولو كانت مشروعة على
الإنسان، فتحرمه من الكثير من الواجبات التي ينبغي أن يؤديها، ومدمن العمل لا
يتوقف للتأمل أو الاستمتاع بالحياة.
وختامًا
أخي الكريم، أتذكر مقولة "بروكس" التي تحمل عمقًا إيمانيًّا
وإنسانيًّا حتى لا يشقى الإنسان بحلمه، وحتى لا يسرف الإنسان في إجهاد نفسه،
فيقول: "نجّني من رغبتي في التفوق على الآخرين.. نجّني من إغراء وعود الدنيا
الزائفة.. نجّني من شعوري بالتفوق المهني.. نجّني من آلام الانسحاب من
إدماني".
وهذا
يذكرنا الوصية النبوية الشريفة للصحابي عبد الله بن عمرو بن العاص: "فإنَّ
لجَسَدِك عليك حَقًّا، وإنَّ لعَينِك عليك حَقًّا، وإنَّ لزَوجِك عليك حَقًّا"
(صحيح البخاري).
موضوعات
ذات صلة:
ما المقصود بغياب المعنى وتأثيره على الإنسان؟
هل الأخلاق نسبية؟ وتأثير ذلك على المجتمع؟