كيف يتعامل الابن مع قسوة والديه دون عقوق؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : الأخلاق والمعاملات
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 14
  • رقم الاستشارة : 5950
26/09/2026

السلام عليكم.

أنا شاب متخرج من الجامعة وأشتغل بشركة وراتبي زين ولله الحمد. أحاول دائمًا أطور نفسي وأساعد أهلي وأجهز لزواجي، وأشهد الله إني أحب أبوي وأمي حب كبير، وأسعى أرضيهم بكل ما أقدر؛ سواء بخدمتهم، أو بالتلطف بالكلام، أو بالمساعدة بمصاريف البيت.

بس مشكلتي من صغري هي طريقة معاملتهم لي؛ البيت عندنا ماشي على القسوة والتحكم بقرارات حياتي، مثل الشغل، العلاقات، الزواج، وحتى تفاصيل يومي العادية. ولما أحاول أناقشهم بأدب وأشرح وجهة نظري، ألقى تهميش كامل، وأحيانًا تقليل مني أو كلام قاسي يجرح كرامتي، وكأن مفهوم الطاعة عندهم يعني إني ألغي شخصيتي تمامًا وأمشي وراهم بدون أي اعتراض أو نقاش.

هالمعاملة المتكررة خلت بصدري ضيقة وغصة وشعور بالظلم، ومرات ألقى نفسي أستلقي بغرفتي وأبكي من شدة الضغط النفسي والتهميش. الحمد لله ما أرفع صوتي عليهم ولا أرد الإساءة، بس قاعد أعيش صراع داخلي قوي، وأحس إن استمراري بكتّام مشاعري واستسلامي للتهميش بدأ يأثر على صحتي النفسية وعلى حبي الصافي لهم.

شنو الحدود الفاصلة بين البر الواجب وبين التنازل اللي يضر بالصحة النفسية؟

وهل مجرد الشعور بالضيق والغصة، أو الفضفضة لطبيب نفسي أو صديق ناصح عن قسوة الوالدين، يُعتبر من العقوق؟

وشلون أحافظ على بر أبوي وأمي وطاعتهم، بدون ما يوصل بي الحال لكتمان مشاعري وإلغاء شخصيتي أو التأثير على صحتي النفسية؟

الإجابة 26/09/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك يا بني، وأشكرك على ثقتك بنا، وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يبارك في عمرك وعملك ورزقك، وأن يشرح صدرك، وييسِّر أمرك، ويزيل همك، ويكشف غمك، وأن يقر عينك ببر والديك ورضاهما، وأن يرزقك الحكمة والصبر والسكينة، ويلهمك الصواب في كل أمورك، وبعد...

 

فاعلم يا بني أن حرصك على رضا والديك وبرهما، رغم ألم القسوة والتهميش، هو دليل على صفاء قلبك، وكمال خلقك؛ فالابن العاق لا يبكي حرصًا على صفاء حبه لوالديه، بل ينصرف عنهما أو يواجههما بالإساءة. أما أنت، فتحمل في صدرك قلبًا بَارًّا يخاف الله ويخشى الإثم؛ لكنه يبحث عن سلامة نفسه من الانهيار.

 

ولكن دعني أخبرك بأنك لست وحدك في هذا؛ فقضيتك تلامس واقع كثير من الشباب الصالحين في مجتمعاتنا، ممن يصطدمون بأساليب تربوية قاسية توارثتها الأجيال، حيث يُخلَط بين «البر والإحسان» وبين «إلغاء الشخصية ونزع الإرادة».

 

الحدود الفاصلة بين البر الواجب والتنازل الضار

 

إن من عظمة الشريعة الإسلامية أنها أقامت العلاقات الإنسانية على ميزان العدل، فلم تجعل للوالدين سلطة مطلقة تلغي كينونة الأبناء، كما لم تجعل للأبناء حرية التمرد والعقوق.

 

فالبر الواجب شرعًا هو الإحسان إلى الوالدين، والتلطف معهما في القول والفعل، والإنفاق عليهما عند حاجتهما، وطاعتهما في الأمور المباحة التي تحقق لهما منفعة ولا يلحق بالابن منها ضرر محقق لا يُحتمل. قال الله تعالى: ﴿وقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إلا إيَّاهُ وبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا إمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُمَا وقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * واخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [سورة الإسراء: 23 و24]؛ لكنه قال في موضع آخر: ﴿ووَصَّيْنَا الإنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلَى وهْنٍ وفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي ولِوَالِدَيْكَ إلَيَّ المَصِيرُ * وإن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا واتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إلَيَّ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [سورة لقمان: 14 و15].

 

فالطاعة المطلقة لا تكون إلا لله عز وجل ولرسوله ﷺ. أما الوالدان، فطاعتهما مقيدة بعدم المعصية، وبأن لا يلحق بالولد ضرر، مع الحفاظ على البر وحسن الصحبة بالمعروف.

وقال النبي ﷺ أيضًا: «لا طاعةَ في معصيةٍ، إنما الطاعةُ في المعروفِ» [متفق عليه].

 

ففي مسألة العمل وتطوير الذات: إذا كان اختيارك لعمل معين أو خطتك لتطوير نفسك لا تفوِّت على والديك حقًّا واجبًا، ولا تسبب لهما ضررًا، فلا تجب طاعتهما إذا أمراك بترك هذا العمل أو إفشال مسارك الشخصي، ولكن يجب عليك الاستمرار في إرضائهما والتلطف معهما دون إلغاء مستقبلك.

 

وفي مسألة الزواج: اعلم أن مبدأ الزواج واختيار الزوجة هو حق شخصي للإنسان. ولا تجب طاعة الوالدين في اختيار زوجة لا يرغب بها الولد، أو منع زواجه من امرأة صالحة ارتضاها، وإذا خالفهما في ذلك لا يعد عاقًّا، مع محاولة إقناعهما، وأيضًا دوام البر والإحسان لهما.

 

متى يكون التنازل لهما ضارًّا؟

 

التنازل المقبول والمستحب للوالدين هو الذي تتنازل فيه بتسامح عن حقك المادي أو ببعض راحتك من أجل إدخال السرور على قلبيهما، شريطة أن تظل متماسكًا نفسيًّا وإيمانيًّا.

 

أما التنازل الضار المنهي عنه، فهو التنازل الذي يؤدي إلى سحق كيانك، أو إدخالك في اكتئاب، أو إلغاء قدرتك على اتخاذ القرارات الأساسية، أو توليد كراهية وبغض باطني لوالديك. فهنا يجب عليك وضع حدود حكيمة، تحميك وتحمي برك لهما في آنٍ واحد.

 

هل الشعور بالضيق منهما يُعد من العقوق؟

 

قطعًا لا، فالله لا يحاسب الإنسان على المشاعر ولا الضغط النفسي الداخلي الذي لا يد له فيه. والشعور بالألم عند التعرض للقسوة أو التهميش هو استجابة بشرية طبيعية وغريزية وضعها الله فينا. فحزنك وبكاؤك في غرفتك ليس عقوقًا ولا إثمًا، بل هو تفريغ لضغط نفسي، وما دمت لا ترفع صوتك عليهما، ولا تتلفظ بما يسوؤهما، ولا تقابل الإساءة بالإساءة، فأنت على طريق البر والإحسان.

 

حكم اللجوء لطبيب نفسي أو لصديق؟

 

وهذا أيضًا ليس عقوقًا ولا غيبة محرمة؛ بل هو باب من أبواب العلاج وطلب النصيحة ورفع الضرر. فالاستعانة بالطبيب النفسي أو المستشار أو الصديق الناصح الأمين لرفع الضرر عن النفس واستكشاف طرق التعامل الصحيحة، فيها استثناء شرعي جائز من موضوع الغيبة. فقد قرر العلماء أن مبيحات الغيبة التظلُّم، والاستعانة على تغيير المنكر، واستفتاء المستشار والشيخ والطبيب، فكل هذا جائز لحاجة العلاج والإصلاح.

 

كما أن حديثك مع المختص النفسي يهدف إلى حماية صحتك العقلية والنفسية، والحفاظ على استمرارية برك بأبويك دون أن تنهار علاقتك بهما، وتعلم مهارات التواصل والتفريغ الانفعالي السليم.

 

كيف تحافظ على البر مع صيانة صحتك النفسية؟

 

1- فهم دوافع والديك: عليك أن تفهم نفسية والديك؛ فالقسوة والتحكم المفرط يرجعان غالبًا إلى أساليب تربوية نَشَآ عليها، أو خوف زائد غير مدرك، أو رغبة غير واعية في السيطرة. عندما تدرك أن أسلوبهما نابع من ذلك وليس من كراهية لك، فسينتقل شعورك إلى التفهم والشفقة، وهذا يخفف حدة الغصة في صدرك.

 

2- الاستقلال دون صدام: أنت الآن رجل بالغ عاقل راشد متعلم، فلا يجب عليك أن تخبر والديك بكل تفاصيل يومك، أو بقراراتك المستقبلية التي لا تزال في طور الفكرة أو الإعداد. كلما قللت من إقحامهم في التفاصيل الثانوية، قللت من مساحات الاحتكاك والتحكم.

 

3- تعلم كيف تحاورهما: إذا أردت اتخاذ قرار يخصك واعترضوا عليه لمجرد التحكم، فاستمع لهم بإنصات دون أن تعترض في لحظتها، ثم اطلب منهما مهلة للتفكير. وبعدها ابدأ حوارك معهما دائمًا بالثناء الجميل عليهما ومدحهما وإظهار الامتنان لهما، وحاجتك إلى رضاهما ودعائهما، ثم اشرح وجهة نظرك بموضوعية وبالأدلة دون استعلاء أو تحقير لرأيهما.

 

وإذا كان الحوار المباشر ينتهي بالخلاف والشجار أو العصبية، فاكتب لهما أو لأحدهما رسالة رقيقة هادئة على الهاتف أو على ورقة، تشرح فيها وجهة نظرك بوضوح وود. فالرسالة المكتوبة تقرأ بتمهل وتصل للقلب بعيدًا عن الانفعال اللحظي.

 

4- ابحث عن وسيط مؤثر: في القرارات الكبيرة (كالزواج أو اختيار مسار مهني معين)، إذا وجدت انسدادًا في الحوار معهما، فاستعن بشخص يحترمانه وله مكانة وهيبة عندهما (عم، خال، إمام مسجد، صديق لوالدك...)، ليوصل وجهة نظرك ويقنعهما بها دون أن يظهر الأمر وكأنك على خلاف معهما.

 

5- التنفيس عن مشاعرك أولًا بأول: لا تكتم مشاعرك حتى تنفجر؛ بل واصل الجلسات مع طبيبك النفسي، أو استمر في الفضفضة مع صديقك الأمين.

 

5- الدعاء: عندما يهاجمك البكاء والضعف، فاجعله بين يدي الله، قم وتوضأ وصلِّ ركعتين، وتحرَّ أوقات وأحوال الإجابة، وبث حزنك وغمك لله، مفتقرًا إليه ومنكسرًا بين يديه، وادعه سبحانه أن يفتح بينك وبين والديك، وأن يهديك وإياهما إلى الرشد والصواب.

 

قصص وأمثلة ملهمة

 

1- إبراهيم عليه السلام مع أبيه: كان أبو إبراهيم عليه السلام قاسيًا جدًّا عليه، بل إن الأمر وصل إلى تهديده بالرجم وطلب الهجر: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [سورة مريم: 46]. فكيف رد إبراهيم عليه السلام؟ لم يفقد توازنه، ولم يتنازل عن عقيدته ورسالته، ولم يرفع صوته على أبيه، بل قال بجمال وأدب رفيع: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [سورة مريم: 47]. فجمع عليه السلام بين الثبات على موقفه الحق، وبين كمال الأدب والإحسان.

 

2. مصعب بن عمير رضي الله عنه مع أمه: كانت أم مصعب بن عمير رضي الله عنه من أغنى نساء قريش وأشدهن قوة وسيطرة، وحين أسلم قطعت النفقة عنه وحبسته، وسعت بكل قوة للتحكم في قراره. فثبت مصعب رضي الله عنه على دينه وكرامته واستقلاله، مع محافظته على الرفق بها وعدم إساءة الأدب معها.

 

3- أبو هريرة رضي الله عنه مع أمه: حاول أبو هريرة رضي الله عنه دعوة أمه إلى الإسلام كثيرًا، فكانت تنفر منه؛ بل كانت تُسمعه في رسول الله ﷺ ما يكره، فكان يصبر عليها رغم حزنه الشديد ورغم بشاعة ما تُسمعه إياه، ثم طلب من النبي ﷺ أن يدعو لها بالهداية، فلما عاد إليها ورأته وجد أن دعاء النبي ﷺ قد استُجيب، ونطقت أمه بالشهادتين، حتى بكى فرحًا.

 

وختامًا يا بني، إن ما تقوم به اليوم من صبر وتماسك ومحاولة للموازنة هو جهاد نبيل وشرف عظيم. وهذه الأيام الصعبة ستمر، وشخصيتك ستزداد نضجًا وحكمة. فاستمر في بر والديك بالكلمة الطيبة والهدية والخدمة، ولكن لا تسمح للضغط بأن يسحق كرامتك أو صحتك. حافظ على مساحتك الشخصية، وواصل الاستعانة بالمتخصصين، وكن واثقًا بأن الله لا يضيع أجر المحسنين.

 

أسأل الله أن يفرج همك، وينظر إليك بعين الرحمة والرعاية، وأن يليِّن قلب والديك عليك، وأن يرزقك وإياهما المحبة والوئام وحسن الفهم. وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

روابط ذات صلة:

بين البِر بالأهل والإنكار عليهم.. حيرة طالب جامعي

بين قسوة الوالد وخوف العقوق.. كيف تحمين نفسك؟

والدي القاسي.. كيف أجمع بين برِّه والحفاظ على نفسيتي؟

التعليقات

الرابط المختصر :