الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الأخلاق والمعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
8 - رقم الاستشارة : 5490
02/08/2026
السلام عليكم. أنا شاب مغترب في دولة عربية، شغال في صيانة وإصلاح الأجهزة المنزلية. الحمد لله، من يوم ما اتغربت وبحاول على قد ما أقدر أتقي ربنا في أكل عيشي، وأراعي ضميري في كل قرش يدخل لي إنه يكون حلال، وبحاول أكون على خلق ودين، وأعامل الناس بأحسن معاملة.
طبيعة شغلي بتخليني أدخل كل يوم بيوت أشكال وألوان، وطبعًا كل بيت له ظروف وطباع مختلفة، في ناس ما شاء الله أول ما أدخل ألاقيهم محترمين ومتدينين، يرحبوا بيا ويضايفوني، ويتعاملوا معايا بأخلاق عالية تخلي الواحد يشتغل ونفسيته مرتاحة. وبتقابلني نماذج تانية بتضايقني وتسبب لي، ناس أسلوبهم جاف جدًا، أو بيتعاملوا معايا بنبرة فيها تعالي وتكبُّر، وناس تانية بيوتهم فيها تساهل وأسلوبهم مش محترم أو في كلامهم تجاوزات، وبحس بعدم راحة وأنا شغال عندهم وببقى عايز أخلص وأخرج بأسرع وقت.
الموضوع ده بيسبب لي ارتباك شديد في طريقة التعامل مع الأشكال المختلفة دي، فهل
الدين بيطالبني إني أعامل الكل بنفس الطيبة والابتسامة حتى اللي أسلوبهم بيجرحني أو يقلل مني؟ ولا من حقي شرعًا أغير أسلوبي وأحط حدود وأعامل كل واحد باللي يستحقه؟
وإزاي أحافظ على ديني وأخلاقي وفي نفس الوقت أحافظ على كرامتي وما أسمحش لحد يتعدى حدوده معايا وأنا جوة بيته، مع عدم خسارة أكل عيشي، أو إني أقع في مشكلة مع حد.
وجزاكم الله خير.
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك يا بني، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا،
وأسأل الله أن يبارك لك في رزقك، وأن يسبغ عليك عافيته وستره، وأن يجعل جهدك في
ميزان حسناتك، وأن يفتح لك أبواب الخير والقبول، ويقيك شرور خلقه، إنه ولي ذلك
والقادر عليه، وبعد...
فإن
الشاب الذي يخوض معترك الغربة، ويقبض على دينه وأمانته، ويكسب رزقه بحرفة شريفة،
لهو في جهاد ومقام كريم عند الله. فالعمل الحلال والصبر على تقلبات طباع الناس
عبادة جليلة.
أما
ما تمر به يا بني من اضطراب ومشاعر متناقضة بين بيوت ترحب بك وأخرى ترهقك، هو أمر
طبيعي يواجهه كل من تفرض عليه مهنته التعامل مع الناس في بيوتهم؛ لأن البيت هو
مستودع أسرار الناس والذي يظهر طباعهم على حقيقتها.
الفرق
بين الخُلق الواجب والود المستحب
يجب
أن تعلم يا بني أن هناك فرقًا بين أمرين:
-
الأخلاق الواجبة (الحد الأدنى): وهي الأمانة، والصدق، وإتقان
العمل، وعدم رد الإساءة بالإساءة، وجريان اللسان بالسلام وعدم التعدي. وهذا واجب
مع المسلم والكافر، والشريف والوضيع.
-
الود المستحب (المرتبة الفاضلة): كالابتسام، وتبادل الأحاديث
الودية، والأنس في التعامل. وهذه المرتبة تُمنح للمحسنين، أو تُبذل لتأليف القلوب
إذا لم يكن فيها إذلال للنفس.
يقول
الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]. والقول الحسن مع الشخص
الجاف أو المتعالي يكون بالحديث المهني المباشر، الخالي من التجني أو الانتقاص،
وليس بالضرورة بالتبسم والانبساط الذي قد يفهمه الجاهل أنه ضعف أو قبول بالإهانة.
لا
ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه
المؤمن
عزيز النفس، والدين لم يأمرنا بأن نكون مظلومين أو نطأطئ رؤوسنا لمن يتكبر علينا.
يقول النبي ﷺ: «لَا يَنْبَغِي
لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ» [رواه الترمذي]. ورفض الإهانة أو الجفاء لا
يعني أن تتشاجر، بل أن تتحول تلقائيًّا إلى المعاملة المهنية بالأخلاق الأساسية،
أي أن تضع خطًّا فاصلًا؛ فتتكلم على قدر الحاجة، بنبرة جادة، وبتركيز كامل على
عملك.
التعامل
مع نماذج الناس المختلفة
بما
أن طبيعة عملك تدخل بك إلى بيوت الناس وخصوصياتهم، فإليك كيفية التعامل الشرعي مع
النماذج التي ذكرتها:
1-
المتعالي والجاف: المتعالي غالبًا ما يعاني من نقص داخلي،
أو ينظر إلى صاحب الحرفة نظرة قاصرة، وهذا جهل وضلال. والتصرف الشرعي والعملي معه
ألا تبدأه بحديث جانبي، ولا تظهر أمامه بمظهر الضعيف أو الحريص على رضاه
الشخصي. وأن تستخدم معه كلمات محددة ومختصرة جدًّا: «السلام عليكم»، «العطل في
القطعة الفلانية»، «التكلفة كذا»، «انتهيت من العمل».
مع
الحفاظ على هدوئك ونبرة صوتك الرزينة، فالهدوء والجدية يُسقطان هيبة المتكبر
ويجبرانه على احترامك.
2-
المتجاوز أخلاقيًّا:
عند
دخول بيوت فيها كشف للعورات، أو تساهل في اللباس، أو خلوة، أو أي شيء مما يغضب
الله، فالتصرف الشرعي الواجب عليك أولًا هو غض البصر، قال تعالى: ﴿قُل
لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ
أَزْكَىٰ لَهُمْ﴾ [النور: 30]. فاجعل عينيك على الشيء الذي تقوم بإصلاحه فقط، ولا
تتلفت في أرجاء البيت.
كما
عليك أن تتجنب الخلوة الشرعية، فلا تعمل في بيت توجد فيه امرأة بمفردها
دون وجود أحد من محارمها أبدًا. فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي ﷺ قال: «لَا
يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» [متفق عليه]. فإذا وجدت
البيت ليس فيه إلا امرأة، فاستأذن بلطف ووقار: «عذرًا يا سيدتي، أخلاقيات عملي
تشترط وجود رجل في المنزل أو ترك الباب الخارجي مفتوحًا بالكامل».
نصائح
عملية لتجنب المشكلات
1-
الاتفاق المسبق: أثناء الاتفاق على موعد الزيارة، قُل بلطف
ورسمية: «أنا قادم في الوقت الفلاني، أرجو تجهيز مكان الجهاز ووجود أحد أصحاب
البيت معي لتوضيح المشكلة»، مع الاتفاق على الأجر الذي تريده قبل أن تبدأ العمل.
2-
الذِّكر والدعاء: قبل الدخول على قوم تخشى وقوع مشكلات معهم، قُل:
«اللهم إني أعوذ بك من شرورهم، وأدرأ بك في نحورهم، اللهم اكفنيهم بما شئت»، والزم
الذِّكر الخفي في سرك حتى تخرج من عندهم.
3-
قطع الطريق على التجاوزات: ادخل بثقة، وسلِّم بصوت واضح
ورزين، ثم اطلب التوجه فورًا لمكان الجهاز الذي ستصلحه.
مع
الشخص المحترم، ابتسم وتجاوب بأدب، ومع السيئ المتكبر اكبح الابتسامة، وتعامل
برسمية، وتكلم بإيجاز شديد.
ولو
تحدث أحدهم معك بنبرة ساخرة أو قاسية، فلا ترد عليه بأسلوبه، ولا تسكت سكوتًا
يظهرك ضعيفًا؛ بل رد عليه بحزم هادئ وبمهنية وبلسان المحترف قل له: «أنا هنا لأقدم
لك خدمة وأحل لك مشكلة، ولك احترامك. أرجو أن نركز في صيانة الجهاز حتى أنتهي في
أسرع وقت».
وإذا
وجدت شبهة شرعية كبيرة، كخلوة صريحة، أو تجاوز أخلاقي مباشر يمس دينك أو عرضك،
فانسحب فورًا بأدب وحُجة عملية: «عذرًا، تنقصني قطعة غيار أساسية، سأحضرها»، ثم
اتصل هاتفيًّا واعتذر عن عدم إمكانية إتمام العمل لعذر طارئ.
وختامًا،
أسأل الله أن يحفظك في غربتك، وأن يستر عوراتك، ويؤمِّن روعاتك، وأن يصب عليك
الرزق الحلال صبًّا، وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه
أجمعين.
روابط
ذات صلة: