الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : فئات المدعوين
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
10 - رقم الاستشارة : 6138
15/10/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا داعية، أعمل في حقل الدعوة منذ سنوات، وأنفق معظم وقتي وجهدي في خدمة الدعوة، وأشعر بأنني مقصر تجاه أسرتي، زوجتي وأولادي، فأنا دائم الغياب عنهم، ولا أجد الوقت الكافي للجلوس معهم، ومشاركتهم في حياتهم اليومية، وحل مشاكلهم، وقد بدأوا يشعرون بالوحدة والإهمال، وتظهر عليهم علامات الضيق والملل، خاصة زوجتي التي تشعر بأنها تتحمل أعباء الأسرة وحدها، وهذا يؤثر سلبًا على حياتنا الأسرية، وقد يهدد استقرارها.
كيف يمكنني كداعية أن أوازن بين واجباتي الدعوية وحقوق أسرتي، وأن أؤدي كلا منهما على الوجه الأكمل، وأن أكون قدوة حسنة لأسرتي في التزامي بديني، وأن أزرع في قلوبهم حب الدعوة والعمل الصالح، دون أن أضيع حقوقهم أو أُقصر في واجباتهم؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، أخي الكريم، حياك الله وبارك في همتك، ونسأل الله أن يصلح لك
أسرتك، ويجعلها عونًا لك على الخير.
إن ما تطرحه هو
من أخطر القضايا التي تواجه الدعاة في عصرنا، وهي قضية الموازنة بين واجبات الدعوة
وحقوق الأسرة، وهي قضية تحتاج إلى حكمة وبصيرة؛ لأن الإخلال بهذا التوازن قد يؤدي
إلى نتائج عكسية، فقد يضيع الداعية أسرته في سبيل دعوته، أو تضيع دعوته في سبيل
أسرته، وكلاهما غير مرغوب.
وإن من أعظم ما
يُخشى على الداعية في هذا المقام هو الانشغال بالدعوة عن رعيته، وقد قال النبي ﷺ: «أَلَا
كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ
عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ،
وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا...»
(رواه البخاري ومسلم). فالأسرة هي رعية الداعية، وهو مسؤول عنها أمام الله، وإذا ضاعت
أسرته، ضاعت دعوته؛ لأن الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع الصالح.
كيف نحقق هذا
التوازن؟
ولتحقيق التوازن
في حياة الداعية عليه القيام بعدة أشياء، منها:
1. تحديد الأولويات: على الداعية أن يحدد أولوياته، فحقوق
أسرته واجبة عليه، ولا يمكن التخلي عنها، بل هي من أهم الأعمال الصالحة، وقد قال
النبي ﷺ: «مَا
مِنْ عَبْدٍ يَكُونُ لَهُ مَالٌ، فَيُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى أَهْلِهِ وَعِيَالِهِ، إِلَّا
كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَجْرَ الْمُنْفِقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (رواه ابن ماجه). فعلى
الداعية أن يخصص وقتًا كافيًا لأسرته، وأن يضعها في مقدمة أولوياته، ولا يجعل الانشغال
بالدعوة ذريعة لإهمالها.
2. التخطيط للوقت: يجب على الداعية أن يخطط وقته بحكمة، بحيث
يخصص جزءًا من يومه لأسرته، مثل: وقت العشاء، أو عطلة نهاية الأسبوع، وأن يكون هذا
الوقت حاضرًا بقلبه وعقله، وليس فقط بجسده، وأن يشاركهم في أنشطتهم، ويتفقد
أحوالهم، ويستمع إلى مشاكلهم.
3. جعل الأسرة
شريكًا في الدعوة: لا
تنظر إلى الدعوة على أنها عبء يبعدك عن أسرتك، بل اجعلهم شركاء في هذه الدعوة، شجع
زوجتك وأولادك على المشاركة في الأعمال الدعوية المناسبة لهم، كحلقات تحفيظ
القرآن، والأنشطة الخيرية، والمشاركة في اللقاءات الدعوية، فهذا يقوي أواصر المحبة
بينكم، ويزرع فيهم حب الدعوة والعمل الصالح، ويجعلهم يشعرون بأنهم جزء من رسالتك،
لا عائقًا عنها.
4. التواصل
المستمر: لا تكتفِ بوجودك الجسدي مع أسرتك، بل
تواصل معهم عاطفيًّا، وأظهر لهم حبك واهتمامك، وحاول أن تكون صديقًا لهم، ومستشارًا
لهم، كما قال النبي ﷺ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا
خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» (رواه الترمذي).
5. الاستعانة
بالله والدعاء: أكثر
من الدعاء لأسرتك بالصلاح والعافية، وأن يجعلهم الله عونًا لك على الخير، قال
تعالى: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا
وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾.
نصائح مهمة للداعية
في الاهتمام بأسرته
وأنصحك ختامًا
بالآتي:
• لا تنسَ أن حسن معاملة زوجتك وأولادك،
وقضاء حوائجهم، هو من أعظم أبواب الخير، وأن الله يثيبك على ذلك أجرًا عظيمًا.
• كن مرنًا مع
أسرتك، وتفهم ظروفهم واحتياجاتهم، ولا تكن صارمًا أو متعنتًا معهم، فالحياة
الزوجية والأسرية تحتاج إلى مرونة وتعاون وحب.
• احرص على أن
تكون قدوة حسنة لأسرتك في كل شيء، في أخلاقك، وسلوكك، وعبادتك، وتعاملاتك، فأنت
قدوتهم الأولى، وهم يتعلمون منك أكثر مما تتصور.
وأسأل الله
العظيم أن يوفقك لمرضاته، ويصلح لك أسرتك، ويجعلها عونًا لك على الخير، ويجعلك من
عباده الصالحين.
روابط ذات صلة:
توازن الداعية بين العمل الوظيفي والدعوة وحقوق الأسرة
كيف يوازن الداعية بين العمل الدعوي ومتطلبات الحياة المعيشية؟
الداعية بين منبر الدعوة وحضن الأسرة