كيف يسد الداعية الفجوة بين الأجيال في فهم النصوص الشرعية؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. عادل عبد الله هندي
  • القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 12
  • رقم الاستشارة : 6051
05/10/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا داعية وإمام مسجد، أخدم مجتمعاً متنوعاً يجمع بين كبار السن الذين نشأوا على التقاليد والموروث، والشباب المتعلم والمطلع على ثقافات العالم المختلفة عبر وسائل الإعلام.

ألاحظ وجود فجوة كبيرة بين الأجيال في طريقة فهم النصوص الشرعية، وتطبيق الأحكام، فآباؤنا يتشبثون ببعض الفتاوى القديمة التي قد لا تناسب واقعنا المعاصر، بينما يجتهد الشباب اجتهادات غير مبنية على أسس علمية، ويتسرعون في الإنكار على من يخالفهم، أو في اتهام الآخرين بالجمود أو التخلف.

هذه الفجوة تؤدي إلى خلافات أسرية ونزاعات مجتمعية، وتشويه لصورة الإسلام في أذهان الجيل الجديد.. كيف يمكن لي كإمام وداعية أن أساهم في سد هذه الهوة، وأن أوحد رؤية المجتمع حول فهم الدين بشكل وسطي ومعتدل، يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويحترم اختلاف وجهات النظر؟

الإجابة 05/10/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله أخي الداعية، وبارك في حرصك على وحدة صف المجتمع وألفة قلوب أبنائه.

 

إن ما تلمسه من فجوة بين الأجيال في فهم النصوص هو من أخطر التحديات التي تواجه العمل الدعوي المعاصر، وهو نتاج طبيعي لتداخل عوامل كثيرة، منها: اختلاف المناهج التربوية، وتباين الثقافات، وسرعة التغيرات العصرية، وقلة التأصيل العلمي السليم لدى الكثيرين، وضعف ثقافة الحوار واحترام الاختلاف، وهذا كله يعكس حاجة ماسة إلى تجديد الخطاب الدعوي وتنقيح المناهج التربوية، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (البقرة: 143)؛ فالوسطية ليست مجرد شعار، بل هي منهج حياة يجمع بين ثوابت الدين ومرونة الواقع.

 

ولسد هذه الفجوة، أقترح خطة دعوية شاملة:

 

1. تأصيل ثقافة الاختلاف الفقهي: يجب أن تكون هذه الثقافة حاضرة بقوة في خطبك ودروسك ومحاضراتك. بيّن أن الاختلاف في الفروع والأحكام الاجتهادية هو رحمة وسعة للأمة، وأن الصحابة والتابعين كانوا يختلفون في كثير من المسائل، ولم يكن ذلك سببًا في الفرقة أو التنازع. عرّفهم بالقاعدة الذهبية: "اختلاف أمتي رحمة"، واذكر لهم مواقف من سيرة السلف توضح كيف كانوا يتعاملون مع الاختلاف باحترام وتقدير، وكيف كانوا يعذرون بعضهم البعض. قال الإمام مالك رحمه الله: "ما منا إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر" يعني النبي ﷺ، فلا يُعصم من الخطأ أحد بعد النبي ﷺ.

 

2. التفرقة بين الثوابت والمتغيرات: علم الناس كيف يميزون بين الأمور الثابتة في الدين، التي لا تحتمل التغيير كأصول العقيدة والعبادات والمحرمات القطعية، وبين الأمور المتغيرة التي تخضع لاجتهاد العلماء وتتغير بتغير الزمان والمكان والعرف، كبعض المسائل المالية والسياسية والمعاملات. بيّن أن التمسك بالثوابت هو عين الدين، أما المرونة في المتغيرات فهي من تمام الفقه والحكمة. استشهد بقصة النبي ﷺ مع الصحابة في غزوة بدر حينما نزلوا عند ماء واستشارهم، فقال الحباب بن المنذر: "يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل الذي نزلت، أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخره، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟" فقال النبي ﷺ: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة"، فأشار الحباب برأي مختلف، فأخذ به النبي ﷺ.

 

3. تفعيل دور الحوار البناء: نظّم جلسات حوارية مفتوحة تجمع بين مختلف الأجيال، حيث يتم فيها مناقشة القضايا الخلافية بطريقة موضوعية وعلمية، بعيدًا عن التعصب والمشاحنات. ضع ضوابط للحوار، كالإنصات الجيد، واحترام الرأي الآخر، والبناء على ما اتفق عليه، وترك ما اختلف فيه بلا تجريح، وتجنب الحوارات العقيمة التي تهدف إلى الإفحام والانتصار للذات. قال تعالى: ﴿ولا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾.

 

4. تطوير المناهج التعليمية والوعظية: اعمل على تطوير المناهج التي تقدمها في المسجد والمركز الدعوي، بحيث لا تقتصر على الجانب المعلوماتي فقط، بل تشمل تدريب الأفراد على منهجية التفكير العلمي، وقواعد الاستدلال الصحيح، وكيفية التعامل مع النصوص الشرعية وفق أصولها المعتمدة، وعلّم الفئات المختلفة وفقًا لمستوياتهم العلمية، وأعطِ كل ذي حق حقه.

 

5. بناء الجسور بين الأجيال: استثمر المناسبات الاجتماعية والدينية لتعزيز الروابط الأسرية والمجتمعية، وكن نموذجًا عمليًّا في احترام كبار السن وتقديرهم، وفي نفس الوقت في الاستماع للشباب وتفهم همومهم، فهذا يخلق جوًا من المودة والثقة المتبادلة، ويسهم في تقليص الفجوة بينهم، واعلم أن النبي ﷺ كان يتفقد صغار الصحابة ويسأل عنهم، وكان يستشيرهم ويقدر آراءهم.

 

6. تقديم النماذج التاريخية الناجحة: اذكر لهم نماذج من التاريخ الإسلامي لعلماء اجتهدوا وجددوا، دون أن يخرجوا عن ثوابت الدين، مثل الإمام البخاري والإمام أحمد، وكيف كانوا يجمعون بين العلم والعمل، وبين الورع والفقه في الدين، وكيف تعاملوا مع اختلافات عصرهم بحكمة واعتدال.

 

وأنصحك بالآتي:

 

• تحلَّ بالصبر والأناة، فإن تغيير القناعات الراسخة يحتاج إلى وقت وجهد كبيرين، ولا تيأس إذا لم ترَ النتائج فورية، فالزرع يحتاج إلى وقت ليؤتي ثماره.

 

• ادعُ الله دائمًا أن يوفقك ويشـرح صدرك، وأن يمنحك الحكمة في التعامل مع مختلف الفئات، كما قال تعالى في قصة موسى مع الخضر: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾.

 

وأسأل الله العظيم -ختامًا- أن يُبارك في جهودك المباركة، وأن يجمع بهذا المجتمع على كلمة التوحيد وعلى نهج الوسطية والاعتدال، ويجعلك سببًا في تأليف القلوب وتوحيد الصفوف، إنه سميع مجيب.

 

روابط ذات صلة:

كيف يعالج الداعية الاغتراب الأسـري وفجوة الأجيال في العصر الرقمي؟

التعليقات

الرابط المختصر :