كيف يلتزم المفتي الرقمي بضوابط فقه الواقع والأصالة الشرعية؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. عادل عبد الله هندي
  • القسم : الدعوة الإلكترونية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 8
  • رقم الاستشارة : 5422
26/07/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أنا طالبة علم شرعي ومشرفة على منصة فقهية نسائية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تُعنى بالإجابة عن المسائل الفقهية والاستشارات الدينية للفتيات والنساء من مختلف دول العالم. نواجه في المنصة أزمة منهجية كبرى؛ وهي تشتت وتخبط المستفتيات بسبب ظاهرة "عشوائية الفتاوى الرقمية العابرة للقارات".

المشكلة تكمن في أن كثيرًا من الفتيات، لا سيما المقيمات في بلاد الغرب أو مجتمعات ذات طبيعة خاصة، يستفتين دعاة ومشايخ يعيشون في بيئات إقليمية مغايرة تماماً؛ فيصدر هؤلاء الدعاة فتاوى جافة وتعميمية تعتمد على واقع بيئاتهم المحيطة دون فهم حقيقي لواقع المستفتية، أو طبيعة القوانين والضغوط التي تحيط بها، مثل فتاوى الطلاق، أو حجاب المرأة العاملة، أو المعاملات المادية المستحدثة. هذا المسلك يؤدي إما إلى حرج شرعي شديد يضطر الفتاة للتفلّت التام، أو يوقعها في وساوس واضطرابات نفسية وأسرية حادة بسبب قسوة التكليف والجهل بفقه النوازل والواقع.

كيف نصيغ منهجًا منضبطًا لضبط الفتيا الإلكترونية؟ وكيف يلتزم المفتي الرقمي بضوابط فقه الواقع وتنزيل الأحكام دون إخلال بالأصالة الشرعية؟

الإجابة 26/07/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلاً بكِ أيتها الأخت الفاضلة وطالبة العلم المباركة، وجزاكِ الله خيرًا على إثارة هذه النازلة الدعوية الشائكة؛ فإنَّ ضبط الفُتيا في الفضاء الرقمي هو من أوجب واجبات الحماية العلمية للأمة اليوم؛ إذ تحول الفضاء الافتراضي إلى ساحة مفتوحة لتصدير الأحكام دون مراعاة للشروط المعتبرة عند علماء الأمة، مما يفسد أكثر مما يصلح.

 

إنَّ الفتوى في الشريعة الإسلامية ليست مجرد نقل نصوص صماء أو سرد أحكام مسبقة الجاهزية، بل هي عملية مركبة تشتمل على ركنين أساسيين: "فقه النص الشرعي" و"فقه الواقع وتصور المسألة"؛ وحين يغيب الركن الثاني تخرج الفتوى عن مقصودها من التيسير والرحمة إلى المشقة والعنت.

 

وقد أجمع علماء الأصول على أن الفتوى تتغير بتغير الأزمنة، والأمكنة، والأحوال، والعوائد؛ وتأملي كيف كان الصحابة الكرام يراعون هذا الأصل؛ فالإمام علي -رضي الله عنه- قال: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟» [رواه البخاري].

 

وإن تصدي الداعية لإصدار فتاوى مصيرية لمدعوين ومستفتين لا يعرف طبيعة حياتهم ولا عوائدهم ولا القوانين الناظمة لواقعهم هو مسلك ينافي الهدي الشرعي، وقد ينقلب إلى جناية على الشريعة بتقديم خطاب ينفر الناس من الدين، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: 116].

 

إن العلاج المنهجي يفرض الانتقال بالفتيا الإلكترونية من "الفردية العشوائية" إلى مربع "المؤسسية والتخصص البيئي"؛ فالنازلة الفقهية في الفضاء الرقمي تحتاج إلى تريث وإحالة إلى مجامع فقهية أو علماء محليين يدركون تفاصيل الواقع؛ فلا يسوغ لمفتٍ يعيش في مجتمع مسلم محافظ أن يقيس واقع امرأة مسلمة تعيش وحيدة في بيئة غربية تواجه تحديات البقاء والحفاظ على أركان دينها بنفس المعايير الفرعية، بل يجب استخدام الرخص الشرعية المقيدة، وفقه الموازنات، والقواعد الكلية كقاعدة "المشقة تجلب التيسير"، و"الضرورات تبيح المحظورات" بقدرها، مع الحفاظ الصارم على أصول ومحكمات الملة.

 

ومن الناحية التطبيقية والعملية لضبط العمل في منصتكم الفقهية، نوصي بالآتي؛

 

أولاً: صياغة "استمارة استفتاء رقمية دقيقة" تُلزم المستفتية ببيان بلد الإقامة، وطبيعة البيئة الاجتماعية، والظروف المحيطة بالمسألة، مع اشتراط عدم الإجابة عن القضايا المصيرية (كالطلاق والنوازل الكبرى) إلا بعد استيفاء التصور الكامل.

 

ثانيًا: بناء "شبكة تواصل علمية وتكاملية" مع مجالس الإفتاء الرسمية والموثوقة في بلاد الاغتراب والمهجر، وإحالة الفتيات في المسائل الحساسة والاجتماعية إلى علماء تلك البلاد؛ لأنهم الأقدر على تصور المآلات وفهم القوانين المحلية.

 

ثالثًا: تركيز المنصة على "بناء الكليات الإيمانية والأحكام الفقهية العامة المستقرة" التي لا تتغير بتغير المكان، والابتعاد التام عن الخوض في تفاصيل الخلافات الفقهية المعقدة التي تزيد الساحات الرقمية بلبلة وتشتتًا.

 

وأنصحك ختامًا بما يأتي:

 

• كوني شجاعة في قول "لا أعلم" أو "هذه المسألة تحتاج لمراجعة كبار العلماء"، فالعلم ورع، وبركة الفتيا في التقوى والتحري لا في سرعة الجواب.

 

• ركّزي في إجاباتكِ على تقديم "البدائل الشرعية الممكنة والميسّرة" للمستفتية، وتجنبي الإجابات الجافة التي تقتصر على التحريم المطلق دون فتح باب للمخرج والحل.

 

• طوّري من معارفكِ الأصولية بالتركيز على دراسة مقاصد الشريعة، وفقه التدرج، والقواعد الفقهية الخمس الكبرى، لتكون إدارتكِ للمنصة قائمة على بصيرة علمية راسخة.

 

وأسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يبارك في علمك وسعيك، وأن يجري الصواب على لسانك وقلمك، وأن يجعلكِ منارة للحق والرفق والتيسير، ويقيكِ فتن القول والعمل ومزالق الفتيا.

 

روابط ذات صلة:

كيف يوازن الداعية الإلكتروني بين العولمة وخصوصية الفتوى؟

فوضى الفتاوى الرقمية

الرابط المختصر :