الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : الدعوة الإلكترونية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
13 - رقم الاستشارة : 5317
13/07/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أنا فتاة جامعية في الثانية والعشرين من عمري، أدرس الإعلام وصناعة المحتوى، وشغوفة جداً بالدعوة الإلكترونية، وقد بدأت قبل عام تقريباً بإنشاء حسابات على منصات التواصل الاجتماعي (تيك توك، إنستغرام، يوتيوب shorts) بهدف تقديم مقاطع دعوية قصيرة تخاطب الفتيات في عمري، وتناقش قضايا الحجاب، والعلاقات، والتعلق بالله، بأسلوب عصري سريع وقريب من لغة الجيل.
في البداية، كان هدفي خالصاً ونقيًّا، لكنني مؤخراً بدأت أشعر بـ "تآكل داخلي" وضياع لبوصلتي الدعوية. لقد وقعتُ تحت وطأة خوارزميات المنصّات وهوس الأرقام؛ أجد نفسي أراقب عدد المشاهدات، والإعجابات، والمشاركات بشكل قهري كل بضع دقائق.
الأخطر من ذلك، أنني بدأت أتنازل تدريجيًّا عن رصانة المحتوى وقوته العلمية والشرعية لصالح ما يطلبه الجمهور أو ما يسمى بـ "التريند"، حتى أضمن انتشار المقطع. صرت أختار عناوين مثيرة ومثيرة للجدل، وأحياناً أتساهل في بعض الضوابط الشرعية في المظهر أو الموسيقى التصويرية المرافقة للمقطع لمجرد أنَّ اللحن "تريند" ويجلب ملايين المشاهدات.
أشعر بانفصام عجيب؛ فالناس في التعليقات يمدحونني ويلقبونني بـ "الداعية المبدعة"، بينمَا أنا بيني وبين نفسي أشعر بفقر إيماني شديد، وجفاف في قلبي، وخوف عظيم من الرياء وتحول الدعوة إلى وسيلة للشهرة الشخصية وإشباع الإيجو. كيف أوازن يا فضيلة الشيخ بين متطلبات الخوارزميات الرقمية الحديثة وانتشار المحتوى، وبين الحفاظ على إخلاصي، وأصالة المادة الشرعية، وعمق الطرح دون السقوط في فخ التفاهة أو تمييع الدين؟ أرجوكم وجهوني توجيهاً عمليًّا تطبيقيًّا ينقذ قلبي ومروءتي الدعوية.
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، حياكِ الله يا ابنتي الغالية، وأهلاً بكِ وبشغفكِ وبقلمكِ
السيّال وفكركِ الواعي.
وإن مجرد كتابتكِ
لهذه الاستشارة، وشعوركِ بهذا الألم والاضطراب الداخلي، لهو علامة صحة وإيمان،
ودليل على أن في قلبكِ حارسًا إيمانيًّا يقظًا يرفض الخنوع لبريق الشهرة الزائف؛
فالخوف من الرياء والحرص على الإخلاص هو دأب الصالحين الصادقين، فأبشري بخير،
واعلمي أن خطوتكِ الأولى للعلاج قد بدأت بتشخيصكِ الدقيق للداء.
ثم إن
"الدعوة الإلكترونية" اليوم هي ثغر من أعظم الثغور، وجهاد من أجلّ أنواع
الجهاد في عصر السيولة الرقمية، إلا أنَّ هذا الثغر يكتنفه تحدٍّ خطير يُسمى
"اقتصاد الانتباه"، حيث تتنافس المنصات على خطف عقول الناس وأوقاتهم،
وتحول المشهد إلى سباق محموم نحو المشاهدات. وهنا يقع الداعية الرقمي في الفخ إذا
لم يتسلح بوعي عميق وأساس شرعي متين؛ فالغاية في الإسلام لا تبرر الوسيلة أبدًا،
والانتشار ليس معيارًا للقبول عند الله تعالى، بل إن الله عز وجل يقول في كتابه
الكريم: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ
اللَّهِ﴾ [الأنعام: 116].
والمعيار الحقيقي
هو الحق والاتباع والإخلاص، وقد أخبرنا النبي ﷺ في الحديث الصحيح عن أحوال
الأنبياء يوم القيامة فقال: (...وَيَأْتِي النَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ
وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيُّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ) [رواه البخاري ومسلم]،
فلم يقدح قلة الأتباع في نبوتهم ولا في نجاح دعوتهم.
ولعلاج هذا
الانفصام وتفادي "تآكل الإخلاص"، يجب الانتقال من عقلية "المؤثر
الرقمي" الذي يقتات على التفاعل، إلى عقلية "المبلّغ عن رسول الله
ﷺ" الذي يبتغي الأجر من الله وحده.
إن استخدام
الوسائل العصرية السريعة والجذابة من جودة التصوير، وحسن الإلقاء، واختيار
العبارات الرشيقة، هو أمر مطلوب ومحمود بل هو من الحكمة والدقة الدعوية، لكن
الإشكال يكمن في "تمييع المضمون" أو "خرق الضوابط الشرعية"
كإدخال الموسيقى المحرمة أو تبرج الداعية أو إثارة الجدل العقيم لمجرد الركوب على
موجة التريند.
تذكري دائمًا قول
النبي ﷺ: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ
مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا» [رواه مسلم]،
والهدى هو ما وافق الوحي وصحّت فيه النية، والبركة تضعها الملائكة في العمل الخالص
وإن قلّت أرقامه في الدنيا.
ومن الناحية
العملية التطبيقية،
أقترح عليكِ
إعادة هيكلة مساركِ الدعوي الرقمي عبر خطوات محددة؛
أولها: اعتزال
المنصات لفترة وجيزة (أسبوع أو أسبوعين) كـ "عزلة تقنية" لمراجعة النية
وترميم القلب بالعبادة الخفية والقرآن.
ثانيًا: ضعي
لنفسكِ "ميثاقًا أخلاقيًّا وشرعيًّا" للمحتوى لا تتجاوزيه أبدًا مهما
بلغت المغريات، مثل (منع الموسيقى، الالتزام بالستر الكامل والوقار، التثبت من صحة
الأحاديث والقصص قبل نشرها).
ثالثًا: غيري
طريقة تعاملكِ مع الحسابات، فامنعي نفسكِ من تفقد الإحصائيات إلا مرة واحدة
أسبوعيًّا لغرض التقييم الفني فقط، وحبذا لو أسندتِ إدارة الحساب ونشر المقاطع
لصديقة أو أخت صالحة لتنفصلي تمامًا عن سكرة "اللايكات" وتتفرغي للصناعة
والاحتساب.
رابعًا: تذكري
دائمًا أن "تريندات" الدنيا تذهب وتتبخر، ولا يبقى في صحيفتكِ إلا
الكلمة الطيبة الصادقة التي اهتدت بها فتاة في جوف الليل دون أن تدري بها
الخوارزميات، لكن علمها رب الخوارزميات والبشر.
وأنصحك ختامًا
بأن:
• تجعلي لنفسكِ
خبيئة من عمل صالح لا يعلم بها أحد من البشر (رُكيعات في جوف الليل، أو صدقة سر،
أو استغفار طويل) لتكون ترياقًا يحمي قلبكِ من رياء الظهور.
• تتذكري دائمًا
أنكِ تدعين إلى الله لا إلى نفسكِ، فإذا رأيتِ الناس يلتفون حولكِ، فأرجعي الفضل
لصاحب الفضل سبحانه وانكسري بين يديه.
• لا تنشري علمًا
أو نصيحة إلا بعد أن تطبقيها في نفسكِ أولاً؛ حتى يكتسي كلامكِ ثوب الصدق والقبول.
وأسأل الله
العظيم، رب العرش الكريم، أن يحفظ عليكِ دينكِ وإخلاصكِ، وأن يجنبكِ فتن القول
والعمل، ما ظهر منها وما بطن. اللهم اجعل عملها كله صالحًا، واجعله لوجهك الخالص،
ولا تجعل لأحد من خلقك فيه نصيبًا، وثبت قلبها على طاعتك، واجعلها هادية مهدية،
مباركة أينما كانت.
روابط ذات صلة:
كيف تؤثر ثقافة الترند على خضوع العقل؟
حديث الداعية عن «الترندات».. بيان للحق أم نشر للباطل؟
"الترند الدعوي".. بين الانتشاروالمحتوى الجيد