{كَرِه الله انبعاثهم فثبَّطهم}.. هل تنطبق على مَن يفوِّتون بعض الصلوات؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : وساوس وشكوك
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 26
  • رقم الاستشارة : 5546
10/08/2026

أنا شاب أحاول الحفاظ على الصلاة في وقتها، ولكني أضيع بعض الصلوات ولا أصليها بسبب مواعيد الدروس والمذاكرة، وطبعا أعلم أن هذا حرام وعقوبته كبيرة، وأكون حزينا جدا وأجتهد في عدم التضييع لكن تفلت مني بعض الصلوات.

مؤخرا رأيت منشورا لأحد الدعاة على فيسبوك يقول إن تضييع بعض الصلوات علامة غضب من الله وكراهية للعبد وللطاعة منه واستدل بقول الله عز وجل: (كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين). فهل فعلا هذه الآية معناها كما قال وتنطبق علي؟

هل الله يكرهني فعلا ويكره الطاعة مني، لذا فهو لا يجعلني محافظا على الصلاة؟

الإجابة 10/08/2026

مرحبًا بك يا ولدي، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يهديك لأحسن الأخلاق والأعمال، وأن يرزقك التوفيق والنجاح في دراستك، وأن يجعل الصلاة قرة عين لك، وأن يربط على قلبك ويثبتك على طاعته، وبعد...

 

هل الآية تنطبق عليك؟ وهل الله يكرهك؟

 

لا يا بني، الآية لا تنطبق عليك مطلقًا، والله -عز وجل- لم يكرهك ولم يكره طاعتك.

 

إن الآية التي ذكرتها هي قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [سورة التوبة: 46]. وقد نزلت في حق المنافقين في غزوة تبوك؛ الذين كانوا يضمرون الكفر والعداوة للنبي ﷺ، ويبحثون عن الحيل والأعذار المفتعلة للتخلف عن الجهاد، وكان خروجهم مع المسلمين سيعود بالشر والفتنة والخذلان على جيش المسلمين.

 

فالتثبيط هنا كان عقوبة لمنافقين كارهين للدين، يخادعون الله ورسوله، ولم يكن لشاب مؤمن يحب الله ورسوله، ويسعى للحفاظ على صلاته، ويحزن حزنًا شديدًا إذا فاتته صلاة!

 

وتنزيل هذه الآية عليك أو على أمثالك من المقصرين عن غير عمد أو بسبب غلبة الانشغال هو تنزيل للقرآن في غير موضعه، وهو مسلك خطير يؤدي إلى تيئيس الناس من رحمة الله.

 

حزنك على الصلاة دليل إيمانك:

 

إن مجرد شعورك بالحزن والضيق عند فوات الصلاة، وحرصك على أن تكون محافظًا عليها، هو أعظم دليل على أن في قلبك إيمانًا صادقًا؛ فالشعور بالذنب والانكسار لله هو خصيصة المؤمن، بينما المنافق لا يبالي بسيئاته. قال رسول الله ﷺ: «مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكُمُ الْمُؤْمِنُ» [رواه الترمذي].

 

وقال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ فَقَالَ بِهِ هَكَذَا» [رواه البخاري].

 

فلو كان الله يبغضك -حاشاه سبحانه- لسلب من قلبك هذا الحزن، ولجعل تضييع الصلاة عندك أمرًا عاديًّا لا تُحرك له ساكنًا. ولكن الله -تعالى- يبتليك ويختبر حرصك، ويلهمك هذا الحزن لتعود إليه وتتدارك تقصيرك.

 

الحذر من بعض دعاة وسائل التواصل:

 

إن منشورات وسائل التواصل الاجتماعي تحوي أحيانًا أفكارًا غير صحيحة، وخاصة مقاطع الفيديو القصيرة التي قد تكون مجتزأة من حديث مفصَّل، فتُقتطع النصوص من سياقها. وقد يبالغ بعض الدعاة في الأداء، ويتطرفوا في الأحكام ووجهات النظر، بغرض تكثير المتابعين والتربح من هذه الوسائل.

 

فاحذر يا بني أمثال هذه المنشورات وهؤلاء الدعاة، وانتق من تستمع إليه من العلماء والدعاة الثقات المشهود لهم، واحرص على التثبت والتبين مما تسمع قبل اعتقاده وتطبيقه.

 

وسائل عملية للحفاظ على الصلاة في وقتها

 

إن مشكلتك -يا بني- هي سوء إدارة الوقت والترتيب الخاطئ للأولويات، فأنت تخوض مرحلة دراسية مهمة، والضغوط عليك كبيرة بين مواعيد الدروس والمذاكرة، والشيطان يستغل هذا ليقنعك بأن وقت الصلاة يربك جدولك، أو أن المذاكرة الآن أوجب، فتؤجل الصلاة حتى يخرج وقتها، ثم يأتيك الشيطان مرة أخرى بعد خروج وقتها ليعرض عليك منشورات القنوط ليجعلك تيأس وتترك المحاولة!

 

اعلم -يا بني- أن الصلاة هي مصدر البركة في وقتك وفهمك وذاكرتك؛ والنجاح والتوفيق في الدراسة هو رزق من الله، ولا يُنال رزق الله بمعصيته.

 

ولكي تنتقل من حالة الحزن والتقصير إلى حالة الاستقرار والانتظام، أقترح عليك هذه الوسائل:

 

1- محاولة ضبط جدولك بناء على مواعيد الصلاة: اجعل مواعيد الصلوات الخمس هي التوقيتات الأساسية والمثبتة في يومك، واجعل مواعيد المذاكرة والدروس تبدأ وتنتهي حولها. إن الصلاة لا تستغرق أكثر من 10 دقائق، فلا يوجد درس أو جدول مذاكرة ينهار بسبب 10 دقائق.

 

2- الاستئذان من المعلمين:

 

إذا صادف وقت الدرس وقتَ الصلاة، فاقترح على المعلم التأجيل لما بعد الصلاة، أو اقتطاع 5 دقائق فقط لأداء الصلاة في أقرب مكان متاح. ومعظم المعلمين يحترمون الطالب الذي يحرص على صلاته، بل قد تصبح سببًا في تذكير معلمك وزملائك بالصلاة، وتصلون معًا. أما إذا لم يأذن المعلم ورفض، فلا تنفعل ولا تُحدِثْ مشكلة، فإن شريعتنا السمحة أتاحت لك رخصة أبينها لك في النقطة التالية.

 

3- فهم رُخَص الشريعة وسماحتها: إذا لم تستطع أداء الصلاة في وقتها لعذر الدرس وعدم إذن المعلم لك، ولم تستطع تغيير الموعد، فيمكنك الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، جمع تقديم أو تأخير، في مثل هذه الأوقات. وقد جمع النبي ﷺ في بعض الأوقات من غير خوف ولا سفر ولا مطر، وقال ابن عباس -رضي الله عنهما- عن ذلك: «أَرَادَ أَلَّا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ» [رواه مسلم].

 

4- الوضوء والتجهز قبل الدرس: احرص على الوضوء قبل بدء الدرس أو قبل الخروج من المنزل. فعندما تكون على طهارة، يصبح أداء الصلاة سهلًا جدًّا ولا يستغرق سوى دقائق معدودة. واحرص على أن تكون معك سجادة صلاة صغيرة خفيفة في حقيبتك، لتكون جاهزًا للصلاة في أي مكان طاهر.

 

5- الرفقة الصالحة: اتفق مع زميل لك في صحبة الدروس، أو مع مجموعتك كلها، على أن يذكِّر كل منكم الآخر بالصلاة، وأن تقوموا للصلاة معًا. فذلك يشجعكم وييسر أمركم.

 

وختامًا يا بني، اطمئن؛ فربك رحيم ودود، يفرح بتوبة عبده وإقباله عليه، وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي: «وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» [رواه البخاري].

 

فلا تجعل الشيطان يخدعك أو يقنطك من رحمة ربك، واستعن بالله ولا تعجز، وأقبل على صلاتك بقلب محب مشتاق، واعلم أن الصلاة هي مفتاح توفيقك ونجاحك في الدنيا والآخرة.

 

اللهم يا مقلب القلوب ثبِّت قلب ولدنا على دينك، اللهم حبب إليه الإيمان وزينه في قلبه، وكرِّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، واجعله من الراشدين. اللهم أصلح له شأنه كله، ووفِّقه في دراسته وتعليمه، وافتح عليه فتوح العارفين، واجعل الصلاة أحب الأشياء إلى قلبه، وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

روابط ذات صلة:

كيف ننهض بعزيمتنا للحفاظ على صلاة الجماعة بالمسجد؟

الوسائل السبع للحفاظ على صلاة الجماعة

مقصر في صلاة الجماعة.. إليك 7 معينات

الرابط المختصر :