الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
33 - رقم الاستشارة : 5307
12/07/2026
أنا سيدة تأتيني الدورة وينقطع الدم بعد نزوله ثلاثة أيام متواصلة، لكن يبقى وجود البنيات التي لا تنقطع مع أنه لا ينزل منها شيء، ولكن أعرف وجود اللون البني من خلال وضع القطن في الموضع ويظل ذلك حتى اليوم الرابع عشر.. فمتى يجب علي الصلاة هل بعد 3 أيام أم 14 يومًا؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أختي الكريمة، وأسأل الله أن
يتقبل منكِ طاعاتكِ وحرصكِ على تفقّه أحكام دينكِ. وإن سؤالكِ عن تفاصيل الطهارة
والصلاة يعكس نفساً حريصة على الوقوف عند حدود الله وتأدية العبادة على وجهها
الصحيح. مسألة الإفرازات الملونة كالبني والأسود والآثار التي تظهر بالفحص بالقطن
وتُسمى عند الفقهاء بالكدرة والصفرة من أكثر المسائل التي تصيب النساء بالحيرة.
والشرع الحنيف جاء بضوابط واضحة ترفع هذا اللبس وتمنحكِ الطمأنينة واليقين في
صلاتكِ وصيامكِ.
إليكِ البيان الشافي لمسألتكِ بإذن الله:
اختصارًا:
قبل الدخول في تفاصيل الفتوى يجب التنبيه إلى أمرين في
غاية الأهمية:
الأول: إذا كان لأختنا السائلة عادة مستقرة، ثم تغيرت
بسب أدوية أو مرض، فإنها تبقى على أصل عادتها، ويكون ما زاد من الاستحاضة التي لا
تمنع من الصلاة.
والثاني: فلأن المسألة متعلقة بالصلاة ركن الإسلام الأعظم،
وتركها ١١ يومًا في كل شهر ليس بالأمر الهين، فينبغي احتياطًا عرض الأمر على طبيبة
مسلمة ماهرة لمرة واحدة فقط لتحدد هل هذا متصل بدم الحيض، أو متعلق بعلة أخرى غير
الحيض، فإن حصل اليقين بأنه متصل بدم الحيض فيجب عليكِ ترك الصلاة طوال الـ 14
يوماً كاملة، ولا يجوز لكِ الغسل والصلاة بعد الأيام الثلاثة الأولى.
والسبب في ذلك أن الإفرازات البنية الكدرة التي تجدينها
عند وضع القطنة في الموضع تعتبر امتدادًا متصلاً بدم الحيض ما دامت لم تنقطع تمامًا
ولم تري قَبْلها علامة طُهر واضحة كالجفاف التام أو القصة البيضاء. وبما أن هذا
الأثر البني ينقطع تمامًا في اليوم الرابع عشر، فإنه يقع داخل الحد الأقصى لزمن
الحيض عند جمهور العلماء وهو 15 يومًا، وتصبح دورتكِ كاملة هي 14 يوماً. فور
رؤيتكِ للقطنة بيضاء تمامًا في اليوم الرابع عشر، تغتسلين وتبدئين الصلاة.
ولكن عليكِ أن تحذري فلربما ظهرت علامة الطهر أولا ثم
لحقتها الكدرة والصفرة، بمعنى أن يجف الموضع تمامًا، أو تظهر الإفرازات البيضاء ثم
تتلوها الإفرازات البنية، فهنا يختلف الحكم وتكون عادتك 3 أيام وما تلاها استحاضة
لا تمنع من الصلاة.
وتفصيلاً:
اتفق العلماء على أن العبرة في الطهر هي انقطاع كافة
الإفرازات الملونة الناشئة عن الدورة، واختلفوا في تكييف الأيام الزائدة بناءً على
طول المدة وأقصى حد للحيض، وتفصيل ذلك كالتالي:
أصل المسألة من الأثر النبوي:
عن أم عطية رضي الله عنها قالت: "كُنَّا لَا
نَعُدُّ الكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا" رواه البخاري
وأبو داود واللفظ له. ومفهوم المخالفة الدقيق هنا: أن الكدرة والصفرة قبل الطهر أي
المتصلة بالدم تُعد حيضًا.
عن عائشة رضي الله عنها أن النساء كن يبعثن إليها
بالدُّرْجَةِ فيها الكُرْسُفُ القطن فيه الصفرة والكدرة، فتقول: "لَا
تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ القَصَّةَ البَيْضَاءَ" رواه مالك في الموطأ
وصححه الألباني. وهذا نص صريح على أن الأثر البني الداخلي بالقطنة يُمنع معه تعجيل
الغسل.
مذاهب الفقهاء:
المالكية والشافعية: يذهبون إلى أن الكدرة والصفرة في
"زمن الإمكان" وهي المدة التي يمكن أن تكون حيضًا ولا تتجاوز 15 يومًا
تُعتبر حيضًا مطلقًا، سواء كانت في أيام العادة أم اتصلت بها. وجاء في
"المجموع" للنووي الشافعي: "الصحيح من مذهبنا أن الصفرة والكدرة في
أيام الحيض حيض".
الحنابلة: يوافقون على أن الكدرة المتصلة بالدم قبل رؤية
الطهر اليقيني تلحق بالحيض ما لم تتجاوز أكثر مدة الحيض. وجاء في
"الإنصاف" للمرداوي الحنبلي: "والصّفرة والكدرة في أيّام الحيض من
الحيض -يعني في أيام العادة أو ما اتصل بها- وهذا المذهب وعليه الأصحاب".
الحنفية: يختلفون في الحد الأقصى للحيض؛ حيث يروْن أن
أكثر مدة الحيض هي 10 أيام وليست 15 يومًا. وبناءً على مذهبهم، تكون أول 10 أيام
لكِ حيضًا، والأيام الأربعة الأخيرة من 11 إلى 14 تُعتبر "استحاضة" دم
فساد تتوضئين فيها لكل صلاة وتصلين.
الفتاوى المعاصرة:
تتفق المجامع الفقهية المعاصرة كاللجنة الدائمة للإفتاء،
وفتاوى الشيخين ابن باز وابن عثيمين على أن الكدرة المتصلة بالدم قبل رؤية علامة
الطهر هي حيض تترك له المرأة الصلاة ما دامت لم تتجاوز 15 يومًا. وجاء في فتاوى
إسلام ويب: "تبقى المرأة حائضًا ما دام نزول الدم وما يتصل به لم يبلغ أكثر
المدة لا تميز بين القصة البيضاء والصفرة وتنتظر حتى اليوم الخامس عشر
لتغتسل".
القواعد الفقهية الحاكمة:
قاعدة: "اليقين لا يزول بالشك"
أنتِ تيقنتِ من دخول الحيض بنزول الدم في الأيام الثلاثة
الأولى، ودخول الطهر مشكوك فيه بسبب بقاء الأثر البني عند الفحص بالقطنة. وبما أن
الشك لا يرفع اليقين، فإنه يحكم باستمرار الحيض حتى يحصل يقين الطهر وهو خروج
القطنة بيضاء تمامًا.
قاعدة: "الأصل بقاء ما كان على ما كان"
الأصل المستصحب هنا هو حالة الحيض التي بدأت بالدم،
فتبقى هذه الحالة مستمرة شرعًا طوال الأيام التالية ما دام أثر الدم اللون البني
موجودًا داخليًّا ولم يتجاوز الحد الأقصى 15 يومًا.
قاعدة: "الإمكان في الحيض"
تعني هذه القاعدة أن كل إفراز ملون تراه المرأة في زمن
يصلح أن يكون حيضًا أي لم يتجاوز 15 يومًا ولم يسبقه طهر تام، فإنه يُجعل حيضًا
احتياطًا للعبادة وتيسيرًا على المرأة من التشتت والوسوسة. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: