الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : علوم القرآن والحديث
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
1009 - رقم الاستشارة : 3869
19/01/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
هل هناك حديث صحيح عن النبي ﷺ يقول جبل أحد يحبنا ونحبه؟ ولماذا خص جبل أحد بمحبته؟
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فقد روى البخاري بسنده عن أنس بن مالك ومسلم بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنهم جميعًا أن النبي ﷺ قال: (جبل أحد يحبنا ونحبه)، فالحديث صحيح ومتفق على صحته، وقد اختلف أهل العلم قديمًا وحديثًا في السبب الذي جعل النبي ﷺ يقول هذا عن جبل أُحد، فبعضهم قال هو حب على الحقيقة، وبعضهم قال هو حب على المجاز، أي أنه يحب أهل المدينة المنورة وجبل أُحد معلم بارز من معالمها.
وذُكرت أسباب كثيرة لهذه المحبة، من أهمها تعلق المسلم بهذا الكون المسبح لله تعالى وانسجامه معه، ولعل منها أيضًا أن النبي ﷺ أراد أن يمحو آثار الهزيمة التي وقعت للمسلمين في أُحد بسبب عصيان بعضهم لأوامره الواضحة الصريحة، أو لعله بسبب أن جبل أُحد يضم بين جنباته دماء سبعين من أصحابه كلهم شهداء على هذا الجبل فاختلطت رماله وصخوره بدمائهم ولحمهم وعظمهم وهم يؤسسون أكبر وأعظم دولة عرفها التاريخ.
الحب الحقيقي المتبادل لجبل أُحد
وقد رجّح ابن حجر أن حب النبي ﷺ لأُحد، وحب أُحد له هو على حقيقته، فقد قال في كتابه فتح الباري: "الحب من الجانبين على حقيقته وظاهره، وقد خاطبه ﷺ مخاطبة من يعقل، فقال لما اضطرب: "اسكن أحد"! أ.هـ.
وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم :الصحيح المختار أن معناه أن أُحدًا يحبنا حقيقة، جعل الله فيه تمييزًا يحب به، كما قال: سبحانه وتعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ المَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 74] أ.هـ.
والله سبحانه وتعالى الذي أنطق كل شيء، قادر على أن يضع في الجمادات إدراكًا وشعورًا وحبًّا لمن يشاء من عباده. هذا الجبل، أُحُد، خصه الله بأن يرزقه محبة حقيقية لنبيه ﷺ والمؤمنين. وكما سَبَّح الحصى في كف النبي ﷺ، وحَنَّ الجذع شوقًا إليه، فلا عجب أن يحبَّه جبل أُحُد. هذا يعلمنا أن الكون كله، بجماداته ونباتاته وحيواناته، متصل بخالقه ويسبح بحمده، وقد يتفاعل مع أولياء الله بطرق لا ندركها دائمًا.
يقول الله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (الإسراء: 44).
الحب المجازي لجبل أُحد
والحب المجازي لجبل أُحُد ينبع من ارتباطه بأحداث عظيمة في تاريخ الإسلام. إنه ليس مجرد صخور وتراب، بل هو شاهد على أعظم التضحيات، هو شاهد على التضحية: على أرضه وسفوحه سالت دماء أطهر البشر بعد الأنبياء. دُفن فيه أسد الله حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، ومصعب بن عمير، وسبعون من خيرة الصحابة. فكيف لا نحب أرضًا ارتوت بدماء من نحب؟
وهو أيضًا: شاهد على الثبات: رغم الهزيمة الظاهرية في غزوة أُحُد، كان الجبل شاهدًا على ثبات النبي ﷺ ومن معه من الصحابة في وجه الشدائد. لقد احتموا به، فكان لهم كالحصن.
الدروس التربوية والروحية من الحديث
وحب أُحُد لنا هو تعبير عن الارتباط الوجداني بين هذا المكان المبارك وأهل الإيمان. هو يحب من يحب الله ورسوله، ويبغض من يبغضهم. كأن النبي ﷺ يربطنا بهذا المكان، فيصبح قول النبي ﷺ هذا ليس مجرد وصف، بل هو درس عميق لنا نتعلم منه ما يلي:
أولاً: بناء علاقة مع الأماكن: يعلمنا الإسلام أن علاقتنا ليست فقط مع الأشخاص، بل حتى مع الأماكن التي شهدت طاعة الله ونصرة دينه. هذا ينمي في القلب شعورًا بالانتماء لتاريخنا ومقدساتنا. عندما تزور جبل أُحُد اليوم، وأنت تستشعر هذا الحديث، فإنك لا ترى مجرد جبل، بل ترى صديقًا وفيًّا شهد على أعظم قصة إيمان وتضحية.
ثانيًا: تسلية للمؤمنين: جاء هذا الحديث ليطيب خواطر الصحابة والمؤمنين بعد مصابهم الجلل في غزوة أُحُد. فكأن النبي ﷺ يقول لهم: لا تحزنوا، فهذه الأرض التي شهدت آلامكم، وهذا الجبل الذي احتضن شهداءكم، هو محب لكم، وهو منكم وأنتم منه. هذا جبر للقلوب وتأكيد على أن تضحياتهم لم تذهب سدى.
ثالثًا: ولعله أراد ﷺ أن يمحو آثار الهزيمة ويبعد التشاؤم من قلوب أصحابه، كما يتشاءم الإنسان من المكان الذي وقعت له فيه مصيبة، وأُحد لم يكن سببًا في هزيمتهم بل كان حصنًا وأمنًا وأمانًا لهم.
والله تعالى أعلى وأعلم
روابط ذات صلة:
لماذا انخذل المنافقون في غزوة «أُحد»؟