الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : روح العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
11 - رقم الاستشارة : 6054
07/10/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أنا رجل متزوج وأب لأطفال، أعمل بجد واجتهاد لتطوير نفسي في عملي، وأسعى لتوسيع استثماراتي وزيادة دخلي لتأمين حياة كريمة ومستوى تعليمي متميز لأبنائي، وتوفير كافة متطلباتهم الحياتية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي نعيشها جميعًا.
لكنني كثيرًا في خطب الجمعة والدروس، أجد التركيز مكثفًا من بعض الدعاة والشيوخ على ذم الدنيا، والثناء المطلق على الفقر والفقراء، مع تكرار نصوص وأحاديث تتحدث عن أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بقرون، وأن حساب الغني سيكون عسيرًا وطويلًا على كل درهم اكتسبه وأنفقه.
وهذا أورثني شعورًا دائمًا بالذنب والخوف من الغنى؛ فأصبحت كلما حققت ربحًا أو سعيت لاستثمار جديد، شعرت وكأنني أسير في طريق يخالف الهدي النبوي، أو أنني أركض خلف دنيا فانية على حساب آخرتي!
فهل المطلوب منا كمسلمين أن نتجنب الغنى ونرضى بالفقر حتى نضمن خفة الحساب ودخول الجنة؟
وكيف يستقيم هذا مع منطق الحياة ومتطلبات الأبناء ومصاريف العلاج والتعليم؟
وكيف نفهم الأحاديث التي تتحدث عن فضل الفقر وتقدم الفقراء في دخول الجنة؟
وكيف أتعامل مع الشعور بالذنب الذي ينتابني كلما سعيت لتأمين مستقبلي ومستقبل أسرتي؟
وجزاكم الله خيرًا.
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك شكرًا جزيلًا على ثقتك
بنا وتواصلك معنا، وأحييك على هذا الحرص المبارك والورع الذي يبين حياة قلبك
ورغبتك في مرضاة الله –تعالى- والتزام الهدي النبوي الشريف، وأسأل الله أن يبارك
لك في كسبك ومالك، وأن يحفظ لك ذريتك وأهلك، وأن يرزقك من واسع فضله رزقًا حلالًا
طيبًا مباركًا فيه، ويزيل عنك كل هم وريب وشعور بالذنب، إنه ولي ذلك والقادر عليه،
وبعد...
تحصيل
الرزق بين الغاية والوسيلة
إن
الصورة التي رسمتها في رسالتك تعكس التباسًا شائعًا ينتج أحيانًا من خطاب دعوي
يركز على جانب واحد من النصوص الشرعية دون الجمع بينها وبين مقاصد الشريعة الكلية.
فالإسلام دين الواقعية والفطرة، لم يأتِ ليعطل أسباب الحياة أو يدعو الناس إلى
المسكنة والفقر؛ بل جاء ليرشِّد الكسب، ويهذب حب جمع المال، ويجعل منه وسيلة لبناء
الأرض وإعمارها، وتأمين حاجات أنفسنا ومَن نعول.
هل
المطلوب منا تجنُّب الغنى والرضا بالفقر؟
الجواب
القاطع: لا بالطبع، فليس المطلوب من المسلم أن يتجنب الغنى أو يتمنى الفقر؛ بل إن
الكسب الطيب الحلال مطلب شرعي ومحمود. فالأصل في المال شرعًا أنه «عَصَبُ الحياة»
ونعمة من نعم الله عز وجل متى أُخذ بحقه وأُنفق في حقه. وقد سمى الله عز وجل المال
في القرآن الكريم «خيرًا» في مواضع متعددة، منها قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ
إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ
لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: 180]. كما أن الله عز وجل امتنَّ على
نبيه ﷺ بالغنى وجعله من النعم الجليلة فقال: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾
[الضحى: 8].
وكان
من دعاء النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ
وَالْغِنَى» [رواه مسلم]. بل إنه ﷺ دعا لربيبه وخادمه أنس بن مالك رضي الله عنه
بكثرة المال والولد، فقال: «اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ
لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ» [رواه البخاري]. ولو كانت كثرة المال شرًّا بالضرورة
لما دعا بها النبي ﷺ لأنس.
وقال
النبي ﷺ لعمرو بن العاص رضي الله عنه: «نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلْمَرْءِ
الصَّالِحِ» [رواه أحمد]. فالمال الصالح في يد الرجل الصالح ينقلب إلى قوة
للمجتمع، وسند للمظلوم، وعون للمحتاج، وتأمين للذرية.
ولنا
في سيرة الصحابة الكرام أروع الأمثلة؛ فقد كان كبار الصحابة من أثرياء الأمة ورجال
الأعمال فيها، كعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وطلحة بن
عبيد الله، وأمنا خديجة بنت خويلد، رضي الله عنهم جميعًا. وما قعد الغنى بعثمان عن
نصرة الدين؛ بل جهَّز جيش العسرة، واشترى بئر رومة، وتصدَّق بقافلة عظيمة في عام
الرمادة، فقال فيه النبي ﷺ: «مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ»
[رواه الترمذي].
النية
تحول تحصيل الرزق إلى عبادة
إن
ما تقوم به أخي الكريم من عمل واجتهاد وتوسيع للاستثمارات لتأمين العلاج والتعليم
المتميز والعيش الكريم لأبنائك؛ ليس مجرد أمر مباح، بل هو -إن أحسنت النيَّة فيه-
عبادة وطاعة وقربة إلى الله تعالى، وتأثَمُ لو فرَّطت فيه!
فنفقة
الرجل على أهل بيته من أعظم القربات عند الله. يقول رسول الله ﷺ: «دِينَارٌ
أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ،
وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى
أَهْلِكَ؛ أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ» [رواه مسلم].
وحين
أراد سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه على التصدق بمعظم ماله وهو مريض، وجَّهه النبي
ﷺ إلى التوازن وتَرْك المال لورثته قائلًا: «إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ
أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» [رواه
البخاري].
فالسعي
على الأولاد والزوجة لحمايتهم من ذل الحاجة وسط موجات الغلاء والظروف الاقتصادية
الصعبة هو جهاد نبيل. وقد مرَّ على النبي ﷺ رجلٌ ورأى الصحابةُ من جَلَده ونشاطه،
فقالوا: لو كان هذا في سبيل الله! فقال رسول الله ﷺ: «إِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى
عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى
عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ
كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ يَعِفُّهَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»
[رواه الطبراني].
كما
أن الرعاية والتخطيط المالي لأسرتك جزء أصيل من القوامة التي كلفك الله بها:
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى
بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: 34].
كيف
نفهم ذم الدنيا في القرآن والسنة؟
وضع
العلماء قواعد دقيقة لفهم هذه الآيات والأحاديث، فذم الدنيا في القرآن والسنة لا
ينصبُّ على ذوات الأموال وإنما ينصبّ على تعلق القلب بالمال بحيث يصبح المال هو
المعبود والمحرك، وينصب على جمع المال من الحرام أو إنفاقه في المحرمات والترف
والمباهاة، وينصب على البخل وحجب حقوق الله كالامتناع عن إخراج الزكاة أو التفريط
في الواجبات الشرعية.
كيف
نفهم تقدُّم الفقراء في دخول الجنة وحساب الغني؟
صح
عن النبي ﷺ أنه قال: «يَدْخُلُ فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ الْجَنَّةَ قَبْلَ
الأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ» [رواه الترمذي]. وسبب الأسبقية هنا هو خفة
الحساب، فالفقير الصابر ليس لديه أموال وحسابات مالية وسجلات ليُسأل عنها (من أين
اكتسبه وفيما أنفقه)، بخلاف الغني الذي يحاسب على كل درهم. فهذا التقديم هو تقديم
زماني بسبب الحساب.
والسبق
الزمني لا يعني مطلقًا أن الفقير أعلى درجة في الجنة من الغني الشاكر! فالغني
المحسن الذي يزكي ماله ويتصدق وينفق في سبيل الله قد يتأخر للحساب قليلًا؛ لكنه
إذا دخل الجنة ارتفع إلى درجات عليا ومنازل رفيعة لا يبلغها الفقير الصابر إلا
بأعمال عظيمة.
وقد
وقع هذا التساؤل لصحابة رسول الله ﷺ أنفسهم، فقد جاء فقراء المهاجرين إلى النبي ﷺ
وقالوا: «ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ (أي أصحاب الأموال العظيمة) بِالأُجُورِ
وَالدَّرَجَاتِ الْعُلَى! يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ،
وَلَهُمْ فُضُولُ أَمْوَالٍ يَتَصَدَّقُونَ بِهَا وَلا نَتَصَدَّقُ»، فلم يقل لهم
النبي ﷺ: «اتركوا الغنى فأنتم أفضل منهم»، بل علَّمهم أذكارًا، فلما سمع الأغنياء
بهذه الأذكار قالوها أيضًا، فقال النبي ﷺ: «ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ
يَشَاءُ» [رواه البخاري].
والخلاصة
أن كلًّا من الفقير والغني مبتلى من الله تعالى، والأفضل منهما من كان في حاله
أتقى لله وأصبر وأشكر.
كيف
تتعامل مع الشعور بالذنب أثناء سعيك للرزق؟
الشعور
بالذنب الذي ينتابك هو نتاج وسواس نفسي وثقافة خاطئة تجعل الكسب والنجاح قرين
الإثم! ولتجاوز هذا الشعور، أنصحك بما يلي:
1-
تصحيح مفهوم العبادة: اعلم أن عملك الدنيوي، وسعيك للرزق،
وتفكيرك في استثمار أموالك، وتطوير أدائك الوظيفي، لتأمين حياة كريمة لأبنائك،
يُكتب لك بسببه الأجر والثواب المتواصل إن قرنته بالنية الصالحة، كما تقدم.
2-
التفريق بين الورع والوسواس: الورع المحمود يجعلك تتحرى الحلال وتتجنب
الشبهات والربا، أما الوسواس المذموم فهو الذي يجعلك تخاف من رزق الله الحلال
وتحرِّم على نفسك ما أحل الله لك من الطيبات.
3-
استحضار مقاصد الشريعة: إن الأمة بحاجة إلى أغنياء، يعفُّون
أنفسهم، وينفقون على مشاريعها، ويكفلون أيتامها، ويقيمون بنيانها الاقتصادي.
والفقر لم يكن يومًا هدفًا للإسلام، بل كان النبي ﷺ يستعيذ منه صباح مساء، مقرونًا
بالكفر: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ» [رواه أبو
داود].
إذن
يا أخي، فمدار الأمر كله هو نيتك في تحصيل هذا الرزق، فاحرص دائمًا على تجديد نيتك
واستحضارها قبل أن تبدأ أي مشروع أو استثمار جديد، ثم اجعل لمالك حصانة عبر
إخراج الزكاة الواجبة فور حلول موعدها، وتخصيص جزء فوق الزكاة للصدقة؛ فإن الصدقة
تطهر الأموال وتنميها، كما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً
تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103].
ولا
تنس وسط سعيك هذا على رزق أبنائك أن تغرس الإيمان في قلوبهم، حتى تكون النعمة في
أيديهم سببًا لخدمة دينهم لا لطغيانهم.
وختامًا،
اطمئن تمامًا، وأؤكد لك أنك على خير عظيم، وأن عملك واجتهادك وسعيك لتأمين مستقبل
أبنائك في هذا الزمن الصعب هو من صور البر والجهاد والعبادة التي يرضاها الله
ورسوله، ما دام مكسبك حلالًا، وواجباتك الشرعية مؤداة. سر في طريقك وعملك بجد، ولا
تلتفت للوساوس التي تقعدك عن النجاح والإتقان.
أسأل
الله –تعالى- أن يبارك في عملك وكسبك، وأن يوسع عليه في رزقك، ويجعله حلالًا طيبًا
مباركًا فيه. وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
روابط
ذات صلة: